تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
واعلم : أنه لا شك أن الرحمن الرحيم كل واحد منهما مشتق من الرحمة ، وإن لم يكن أحدهما أشد مبالغة من الآخر ، كانا لفظين مترادفين من جميع الوجوه من غير تفاوت في المعنى ، وذلك بعيد ، فوجب القطع بكون أحدهما أكثر مبالغة من الآخر ، ثم اختلفوا فقال الأكثرون : الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أنه من المشهور أنهم كانوا يقولون . يا رحمن الدنيا ، ورحيم الآخرة . ومعلوم أن رحمته في الدنيا شاملة للمؤمن والكافر ، والصالح والطالح ، وذلك بإيصال الرزق ، وخلق الصحة ، ودفع الأسقام ، والمعايب ، والدواهي ، وأما رحمته في الآخرة فمختصة بالمؤمنين ، فدل هذا على أن الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم ، لأن الرحمة الناشئة من اسم الرحمن عامة في حق الولي ، والعدو ، والصديق ، والزنديق ، والرحمة الناشئة من اسم الرحيم مختصة بالمؤمنين . ولهذا قال جعفر الصادق رضى اللّه عنه : اسم الرحمن خاص بالحق ، عام في الأثر ، لأن رحمته تصل إلى البر والفاجر ، واسم الرحيم عام في الاسم ، خاص في الأثر ، لأن اسم الرحيم قد يقع على غير اللّه تعالى ، فهو من هذا الوجه عام إلا أنه خاص في الأثر ؛ لأن هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين . الثاني : أن بناء وزن الرحمن للمبالغة ، يقال ، رجل غضبان ، وشبعان ، وأنا ملآن ، ورجل عريان ، وهو الّذي لا ثوب له أصلا ، فإن كان له ثوب خلق فقد يقال : إنه عار ، ولا يقال عريان ، وأما الرحيم فهو فعيل ، والفعيل قد يكون بمعنى الفاعل ، كالسميع بمعنى السامع وبمعنى المفعول ، كالقتيل بمعنى المقتول ، وليس في واحد منهما كبير مبالغة . الثالث : أن الرحمن والرحيم كلمتان من جنس واحد ، وحروف الرحمن أكثر وكل ما كان كذلك كان أكثر مبالغة ، فوجب كون الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم .