وأما العوض فهو تعالى يعطى ذلك الحيوان في الآخرة من المنافع ، ما لو علم ذلك الحيوان مقادير تلك المنافع رضى بتحمل هذه الآلام في الحال ، ليصل إلى تلك المنافع فيما بعد ذلك ، وبهذا الوجه يخرج فعل تلك الآلام عن أن يكون ظلما .
القول الثالث : قول أهل السنة : وهو أن الرحيم هو الّذي يفعل الرحمة ، ويوصل النعمة ، وليس من شرط كونه رحيما أن لا يفعل إلا الرحمة ، فهو تعالى رحيم ، كريم ، جواد ، ودود ، رؤوف في حق بعض عباده . وقهار جبار منتقم في حق آخرين . فهو تعالى قابض ، باسط : ضار ، نافع ، معز ، مذل ، محيى ، مميت . بحسب الاعتبارين . ولم تكن رحمته وإحسانه معللا باستحقاق مستحق أو بسبب طاعة مطيع ، ولم يكن قهره معللا باستحقاق مستحق ، أو بسبب معصية عاص . فإنه وإن كان التفاوت في القهر واللطف لأجل التفاوت في الاستحقاق ؛ فمن أين حصل ذلك التفاوت في الطاعة والمعصية ؟ فلم صار هذا مطيعا وذاك عاصيا مع التساوي في القدرة والصلاحية ؟ بل كل أحد يعلم أن هذا صار مطيعا . لأنه تعالى خلق في قلبه ما يدعوه إلى الطاعة . وإنما صار العاصي عاصيا . لأنه تعالى خلق في قلبه إرادة المعصية . وعند هذا يظهر أنه لا نهاية لرحمته . ولا نهاية أيضا لقهره . وأن رحمته غير معللة البتة بشيء من أفعال الخلق ، وقهره غير معلل بشيء من أفعال الخلق . وأن كل ما حصل للخلائق من صفاتهم وأفعالهم وأحوالهم فهو من الحق وبإيجاده وتكوينه ، وكيف يمكن تعليل فعله ؟ !
ولهذا المعنى قال أبو بكر الواسطي : لا أعبد ربا ترضيه طاعتي ، وتسخطه معصيتي ، ومعناه أنه لو صارت طاعة العبد علة لحصول رضا الخالق ، وذنبه علة لحصول سخط الخالق ، لكان العبد مغيرا لصفة الحق ، ومؤثرا في تبديل أحوال الحق ، وذلك محال ، بل رضاه هو الّذي حمل المطيعين على الطاعات ، وسخطه هو الّذي حمل العصاة على المعاصي ، وكل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه . هذا شرح مذاهب الخلق في هذا الباب .
السؤال الثالث : قالت المعتزلة : إن إثبات صفة الرحمة لا يستقيم على قول أهل السنة ، وذلك لأن مذهبهم أنه تعالى خلق الكفر في الكافر ، وخلق فيه قدرة
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات — صفحة 163
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٣