وإن كان محدثها هو اللّه تعالى ، فقبل أن أحدث اللّه تلك الإرادة لم يكن العبد متمكنا من ذلك الفعل ، وبعد أن أحدثها لم يكن متمكنا من ذلك الفعل ، لأن عند حدوث إرادة الفعل لم يكن إرادة الترك حاصلة ، ولو حصل الترك عند حصول إرادة الفعل يحصل الترك من غير إرادة الترك ، وقد بينا أنه محال ، فإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن كل الأفعال منتسبة إلى قضاء اللّه وقدره ، وحينئذ يلزمهم كل ما ألزموه لنا .
والثاني : هو أن العلم بعد الإيمان مضاد ومناف لوجود الإيمان ، وكان اللّه عالما بأن أبا جهل لا يؤمن ؛ فإذا كلفه الإيمان فقد كلفه بأن يجمع بين الضدين ، أعنى بين العلم بعد الإيمان ، ووجود الإيمان ، ومعلوم أن التكليف بالجمع بين الضدين لا يمكن الوفاء به ، فكان هذا الأمر سببا لاستحقاق العذاب الدائم ، فيلزمهم عدم الرحمة ، كما ألزموه لنا ، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليهم ، كما هو وارد علينا ، وأن الجواب عن الكل ما قدمناه من : أنه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد .
السؤال الرابع : قالوا : العبد شق عليه إيصال النعمة ، ودفع البلية ، واللّه تعالى لا يشق عليه ذلك ، والفعل مع المشقة أدخل في استحقاق المدح من الفعل مع غير المشقة ، فلزم أن تكون رحمة العبد أكمل من رحمة الرب .
والجواب : أنا بينا أن رحمة اللّه هي التي أثرت في إيجاد رحمة العبد ، فلو لا سبق رحمة اللّه لما حصلت رحمة العبد .
المسألة الخامسة : أيهما أكثر مبالغة : الرحمن أم الرحيم : روى أبو صالح ، عن ابن عباس ؛ أنه قال : الرحمن الرحيم اسمان رقيقان ، أحدهما أرق من الآخر ؛ ولم يبين أيهما أرق .
وقال الحسين بن الفضل البلخي . هذا وهم من الراوي ، لأن الرقة ليست من صفات اللّه تعالى ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه رفيق يحب الرفق ، ويعطى عليه ما لا يعطى على العنف » :
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات — صفحة 165
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٥