فأما رحمته مع نفسه فإما أن يكون في الأمور الروحانية أو الجسمانية ، أما الروحانية فاعلم أن للنفس قوتين نظرية ، وعملية ، أما النظرية فإيصال الرحمة .
إليها تخليتها عن الجهل ، وتحليتها بالعلم ، وأما العملية فصونها في الأخلاق عن طرفي الإفراط والتفريط ، وإلزامها المواظبة على التوسط بين الطرفين .
وأما في الأمور الجسمانية فقسمان للأمور المطلوبة بالذات ، والمطلوبة بالعرض ، فالأولى اللذات الجسمانية . وهي محصورة في المطعوم والمنكوح .
وقد قال تعالى .
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا »
« 1 » فالرحمة على البدن هو الامتناع عن الإسراف . وأما المطلوبة بالعرض فهي المال والرحمة فيه . قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً »
« 2 » فهذه معاقد رحمة كل أحد على نفسه .
أما رحمته على غيره فقد كتب أرسطاطاليس كتابا إلى الإسكندرية وقال فيه . إن الملوك أقسام .
أحدها : ملوك الهند . وهم يسدون أبواب اللذات الجسمانية على أنفسهم .
وعلى رعيتهم . وذلك لأنهم قالوا . من كانت معيشته في الدنيا مع التعب والمحنة .
فإذا خرج منها فرح وسعد ، ومن كانت معيشته مع اللذة فإذا خرج عنها اشتاق إليها ، فوقع في العذاب ، فلا جرم يجب على العاقل أن يسعى في إتعاب النفس في الدنيا ، لينال السعادة بعد الموت .
وثانيها : ملوك العجم ، وهم يفتحون أبواب اللذات الجسمانية على أنفسهم ، وعلى رعيتهم ؛ لأن معتقدهم أن اللذات الحقيقية هي اللذات الجسمانية ، وأن الروحانية خيالات ضعيفة .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 31 من سورة الأعراف .
( 2 ) الآية 67 من سورة الفرقان .