الرابع : روى أبو سعيد أن عيسى عليه السلام قال : الرحمن رحمن الدنيا ، والرحيم رحيم الآخرة . وهذا يدل على أن الرحمن أكثر مبالغة .
فإن قيل : فإذا كان الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم ، فكيف قدم على ذكر الرحيم ؟
قلنا : فيه وجوه : الأول : أن اسم الرحمن اسم انفرد به الباري تعالى ، كما أن اسم اللّه انفرد به ، فذكر أولا اسم اللّه ، ثم ذكر عقيبه اسم الرحمن ؛ لما حصل بينهما من هذه المجانسة .
وثانيها : أن الرحمن وإن كان يفيد الرحمة العامة للكل إلا أن الرحيم يفيد الرحمة الخاصة بالمؤمنين ، فكان الرحمن كالأصل ، والرحيم كالزيادة في التشريف ، والأصل يجب تقديمه على الزيادة ، كقوله :
« لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ »
« 1 » .
وثالثها : أن نظم البسملة على هذا الترتيب أحسن ، وموافقتها لآخر آيات الفاتحة أشد .
وقال آخرون : الرحيم أشد مبالغة في الرحمة ، واحتجوا بوجوه :
الأول : أن اسم الرحمن كما يفيد معنى الرحمة فيفيد مع ذلك نوعا من الهيبة ، والقهر ، والكبرياء ، والدليل عليه قوله :
« الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً »
« 2 » فلو لا إشعار لفظ الرحمن بشيء من الهيبة والقهر ، وإلا لما كان ذكر الوعيد عقيبه مناسبا ، فذكر في البسملة اسم اللّه ، وهو يدل على غاية القهر ، والجبرية ، والكبرياء ، ثم ذكر عقيبه الرحمن ، وهو كالمتوسط في القهر ، واللطف ، وختم بالرحيم ، وهو الدال على كمال الرحمة .
الثاني : أن ذكر الرحيم بعد ذكر الرحمن يدل على أن الرحيم أكثر مبالغة .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 26 من سورة يونس .
( 2 ) الآية 26 من سورة الفرقان .