الثاني : أن هذه الكلمة واقية لبدنك عن السيف ، ولمالك عن الاستغنام ، ولذمتك عن الجزية ، ولأولادك عن السبي ؛ فإن انضاف إلى اللسان القلب صارت واقية لقلبك عن الكفر ؛ فإن انضم التوفيق إليه صارت واقية لجوارحك عن المعاصي ، ثم قال :
« وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى »
أي نحن ألزمناهم هذه الكلمة للتي هي المفتاح لباب المحبة ، فنحن أردناهم أولا ، وهم إنما أرادونا بعد ذلك ، فلنا المنة عليهم في فتح هذا الباب ، فلهذا قال تعالى :
« يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ »
« 1 » .
الاسم العاشر : ( الكلمة الباقية ) قال المفسرون في قوله
« وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ »
« 2 » أنها قول لا إله إلا اللّه ، ويدل عليه وجوه .
الأول : ما تقدم مقدمة هذه الآية وهو قوله :
« إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ »
« 3 » وكان معنى قوله ( إنني براء ) نفى الإلهية عن الأشياء التي كانوا يعبدونها ، ثم قال :
« إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي »
فكان فيه إثبات الإلهية للّه الّذي فطره ، فإذا حصل هذان المعنيان كان مجموعهما هو قول : لا إله إلا اللّه ثم قال :
« وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ »
فثبت أن المراد من الكلمة الباقية هو قول لا إله إلا اللّه .
الثاني : قوله تعالى في آخر سورة القصص
« وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 4 » فبين أن كل شيء هالك إلا هو ، فإنه واجب الدوام والبقاء بذاته ، وقد عرفت أن القول يتبع المقول ؛ والاعتقاد يتبع المعتقد ، فكان صدق لا إله إلا اللّه ، وحقيقتها واجب الثبوت والبقاء ، وذلك هو المراد بكون الكلمة باقية .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 17 من سورة الحجرات .
( 2 ) جزء من الآية 28 من سورة الزخرف .
( 3 ) جزء من الآية 26 ، 27 من سورة الزخرف .
( 4 ) جزء من الآية 88 من سورة القصص .