تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبهات حول القرآن وتفنيدها — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
موجودا . فوجود اللّه غير وجود المخلوق . فاللّه ليس مجسما ، وليس ماديا . ومن الخطأ أن يقاس المجرد عن المادة بما هو مادي . فالمادي هو الذي يجب أن يتصف بشيء من هذه المتقابلات بأن تكون له جهات ست أو جهة منها . أما غير المادي فترتفع عنه مثل هذه الصفات ، ولا يمكن أن تكون له جهة من هذه الجهات . فالخالق لا يستوي أبدا مع خلقه في جريان أحكام الخلق على الخالق . ونظير ذلك يمكننا القول : إذا صح ، واتصف إنسان بأنه عالم أو جاهل ، فإنّ الجماد كالجبل مثلا لا يصح أن يتصف بالعلم أو الجهل ، وهما مرتفعان عنه ، بل وممتنعان عليه ؛ لأنّ طبيعته تختلف عن طبيعة الإنسان . وكذلك لا يصح وصف الأرض بأنّها بكر ، أو متزوجة ، أو أرملة ؛ وكذلك لا يصح وصف السماء بأنها سميعة أو بصيرة ، أو خرساء ؛ وكذلك لا يصح وصف البحر بأنه بالغ أو راشد ، أو محلف . وهكذا تنتفي المتقابلات كلها بانتفاء قابلية المحل لها أيا كانت هذه المتقابلات . وهكذا فإن لكل محل ، ولكلّ مخلوق طبيعة خاصة به تتصف بصفات خاصة ، ولائقة بها . وهذه مخلوقة ، ومادية فما بالك لو كان الأمر يتعلق بما هو خالق ، وغير مخلوق ، وغير مادي ، وهو اللّه تعالى ، فقياس الغائب على الشاهد فاسد ، ومغلوط . ثانيا : إذا كان أنصار هذه الشبهة يقررون ضرورة أن يكون للّه جهات حتى يكون معبودا ، فإن السؤال الذي يطرح ذاته هذا : أين كان اللّه قبل أن يخلق العرش ، والكرسي ، والسماء ، والأرض ، وقبل أن يخلق الزمان ، والمكان ، وقبل أن تكون هناك جهات ؟ ؟ . فإن قالوا : لم يكن له جهة ، ولامكان ، فقد اعترفوا بخطإ ادعائهم ، وناقضوا أنفسهم ، واعترفوا بحقيقة أن اللّه لا تحده جهة ، ولامكان ، ولا زمان ، وهو حي باق موجود يدبر أمور الحياة في السماء ، والأرض . وإن قالوا : إن العالم قديم بقدم اللّه تعالى ، فقد ناقضوا أنفسهم ، واستجاروا من الرمضاء بالنار ، وهنا يقتضي الحال الانتقال بهم إلى إثبات حدوث العالم .