القاضي : لو طالبنا مطالب بإقامة الدلالة على أن صحة الرؤية من الأحكام المعللة ، كان سبيلنا في ذلك إلى أن نقول : كل حكم لو علل ، لم يبطل تعليله ، واطرد وانعكس وسلم عن القوادح فيه ، فينبغي أن يعلل بكون العالم عالما . ولا استحالة في صحة الرؤية بالوجود .
فإن قيل : قد عللتم الحكم بما ليس بمعنى ، وقد ذكرتم أن العلل ، معاني لا تقوم بأنفسها .
قلنا : إذا سلكنا هذه الطريقة ، لم نقطع بانحصار العلل في المعاني ، بل نعلل بكل ما لا يستحيل التعليل به . وإنما شرطنا قيام المعنى الذي هو علة بما له الحكم ، لتثبت العلة على وجه من الاختصاص . والوجود لما يصح أن يرى ، ألزم من المعنى القائم به . وهذا ما ذكره القاضي ، أوردنا لبابه وتركنا إطنابه .
والذي يصح عندي : منع تعليل الصحة ، إذ في القول بتعليلها ، هدم أصول العلل من أوجه ، نحن نوضحها :
منها أنا إن قدرنا الحياة مصححة موجبة للصحة ، كان ذلك محالا . إذ الحياة لا تستقل بالتصحيح ، حتى يقدر معها المحل ، وانتفاء الأضداد إلى غير ذلك مما سبق . فيلزم من ذلك تركب العلة .
وأعظم من ذلك أنا جعلنا النفي من الشرائط . وقد أبطلنا كون النفي علة موجبة أو مؤثرة في الإيجاب . والذي يوضح ذلك أيضا أن الصحة ليست بحكم وحال ، وإنما هي إشارة إلى أنه لا يستحيل . فهذا ما يعقل من الصحة ، وإنما المعلل حال باتفاق من المحققين . وقد أوضحنا من غير موضع أن من نفي الأحوال ، فلا يستقيم له التعليل أصلا .
وهذا مما صدر به القاضي الكتاب ، فكيف يرتضي ما أبيناه أولا !
وإن لم يكن من تعليل الصحة بدّ ، فأقرب الأشياء إلى التعليل صحة الرؤية ، إذ لا يتجه فيه من السؤال ، ما يتجه في تصحيح الحياة للعلم . وذلك أن صحة العلم لا تستقل بمجرد الحياة ، وصحة الرؤية تستقل بمجرد الوجود . وإنما يتوجه السؤال الأخير ، وذلك أن قائلا لو قال : صحة الرؤية إشارة إلى نفي ، والنفي لا يعلل . وهذا مما نستخير اللّه فيه .
على أنه لو قيل : صحة الرؤية حال ، لم يبعد . وقد يشير إليه القاضي في خلل الكلام .
والذي ذكره السائل من رجوع الصحة إلى النفي ، فيه نظر . وذلك أنه نفي النفي ، ونفي النفي إثبات . فإنا بالصحة ننفي الاستحالة ، والاستحالة عبارة منبئة عن لزوم الانتفاء ، فالصحة رجعت إلى صفة إذا . فهذا أقصى ما يمكن في هذا الفصل .
الشامل في أصول الدين — صفحة 433
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤٣٣