بغيره ؟ فطلب العليل في جميع هذه الأبواب ، يرجع إلى انتفاء علة النفي .
ومما لا يصح تعليله : صحة كون المعلوم معلوما ، وذلك أنا لا نسلك في ذلك طريقة في تقدير علة ، إلا بطلت . فإنا لو قلنا : علة صحة كون المعلوم معلوما ، وجوده ، للزم منه أن لا يعلم إلا الموجود ، ولو قلنا : العلة فيه العدم ، لزم أن لا يعلم الموجود . وسنوضح في أحكام العلوم إن شاء اللّه ، عز وجل ، أن المعلوم معلوم ، ونرد على منكري ذلك . فلا نزال نسبر صفات المعلومات ، فلا نتمسك بصفة نروم نصبها علة ، إلا انتقضت علينا . وإن رمنا التعليل بالعدم والوجود جميعا ، ليندرج تحت المعلومات كلها ، كان ذلك محالا . فإن صحة كون المعلوم معلوما ، حكم واحد لا تباين فيه ، فيمتنع تعليله بصفات متباينة .
فإن قال قائل : بم تنكرون على من يقول : إن لصحة كون المعلوم معلوما ، علة لم تعثروا عليها ، وقصر سبركم وتقسيمكم عن دركها ؟
قلنا : هذا غير لازم ، وتبطله قسمة بديهة . فإن الذي يقدر الذهول عنه ، لا يخلو : إما أن يكون صفة نفي أو صفة إثبات . فإن كان صفة نفي ، وجب اختصاص الحكم بالمعدومات . وإن كان صفة إثبات ، وجب اختصاص الحكم بالموجودات . وقد أوضحنا بطلان روم التعليل بهما .
وإذا أحطت علما بهذا الفصل ، فقس عليه في امتناع التعليل ، كل ما يشترك فيه الوجود والعدم . واقطع بمنع تعليله بمثل ما قطعت به في صحة كون المعلوم معلوما ، فيمتنع ذلك في صحة كون المذكور مذكورا ، والمقدور مقدورا ، والمراد مرادا . فإن جميع ذلك مما يشترك فيه الوجود والعدم . فأما صحة كون المدرك مدركا ، فلا يشترك فيه الوجود والعدم ، فلا يبطل تعليلها بالطريق التي قدمناها ، وإن بطل ، بطل بغيرها . وسنعقد فيها فصلا من بعد إن شاء اللّه .
فإن قال قائل : هذا الذي ذكرتموه في صحة تعلق هذه الأوصاف بمتعلقاتها ، فما قولكم في تعليل نفس تعلقها من غير تعرض للصحة ، حتى إذا قال القائل : لم كان المعلوم معلوما ، والمقدور مقدورا ، فهل هذا مما يعلل ؟
قلنا : ما ارتضاه القاضي - وهو السديد - أن نفس التعلق لا يعلل ، كما لا تعلل صحة التعلق . وقد قدمنا من مذهب الأستاذ أبي بكر أن المعلوم في كونه معلوما ، معلل . وورد ذلك في كتابه ، وعظم الأمر فيه ، وذهب إلى أن القاضي لم يتكلم عليه على تحقيق ، وأغفل القسم الصحيح ، وذكر ما عداه . والعجب منه ، وقد ذكر أنه تصفح كتاب القاضي ، ولم يلق فيه الرد على ما ارتضاه . ولو تتبعه متتبع ، لوجده في أكثر من غرر موضحا فيقول : كون
الشامل في أصول الدين — صفحة 416
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤١٦