إنها علة لحالها ، وهي كون القدرة قدرة ، وكون العلم والإرادة علما وإرادة ، فيرجع كونها إلى حالها ، وحالها لا يوصف بالوجود ، فقد رجع التعليل إلى ما لا يوصف بالوجود .
والجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما أن نقول : قد ثبت عندنا بواضح الأدلة أن كون العالم عالما معلل بالعلم ، على ما سنذكر طرق الأدلة في ذلك ، فأما كون العلم علما ، وكونه علة ، فمما لا يصح تعليله على ما سنذكره فيما يعلل وفيما لا يعلل . وجملة الأحكام لا يطرد فيها التعليل ولا نفي التعليل ، بل المحقق يتبع فيها الدليل ، فيعلل ما اقتضى الدليل تعليله ويبطل التعليل فيما اقتضى الدليل بطلانه . ومما يبطل فيه التعليل كون العلة علة ، فاندفع السؤال إذا .
فإن قيل : الطلبة باقية ، فإن العلم علة وفاقا .
فيقال لكم : الموجب للحكم وجود العلم ، أو حال العلم ، أو وجوده وحاله ؟ فإن كان الموجب وجود العلم ، وجب أن يكون كل وجود علة من حيث لا يختلف الوجود في حقيقته . وإن كان حال العلم هو الموجب ، فقد بان التعليل بما لا يوصف بالوجود . وإن كان التعليل بالوجود والحال ، فقد انجر إلى أوجه أخر من الفساد ، وهو تعليل الحكم الواحد بعلتين ، وقد اتفق المحققون على امتناع حكم واحد بعلتين . الجواب عن ذلك أن نقول : العلة في كون العالم عالما ، شيء واحد وهو العلم . والذي ألزمتمونا من تقسيم الكلام في وجوده وحاله ، إنما كان يستقيم لو كان الوجود مع الحال شيئين ، فأما [ وقد ] ثبت أن العلم شيء واحد ، فلا يلزم مما ذكرتموه شيء ، وإنما المستنكر عند المحصلين تعليل حكم بذاتين . فأما تعليل الحكم بذات لها حال فلا استنكار فيه . وسيكون لنا عودة إلى ذلك عند ذكر امتناع تعليل الحكم الواحد بشيئين .
فصل [ أدلة اشتراط قيام العلة بمن له الحكم منها ]
اعلموا وفقكم اللّه أن من أحكام العلة الموجبة للحكم ، أن تقوم بمن له الحكم الموجب منها ، فلا يوجب العلم الحكم إلا لمحله ، وكذلك سائر العلل الموجبة .
وقال الأستاذ أبو بكر : لا يشترط قيام العلة بمن له الحكم منها ، قال : وكيف يشترط ذلك ، وفعل الرب علة في كونه فاعلا ، مع استحالة قيامه به ، والعلم علة في كون المعلوم معلوما ، وإن لم يقم به . والتحريم في المحرمات معلل بالنهي ، وهو غير قائم بالتحرم .
ثم لما جمع بين هذه الفصول المتناقضة والألفاظ المتهافتة ، انعطف بعد ذلك على