تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
بالرب تعالى خلافه . وهذا يفتح على قائله أبوابا من الجهل لا تحصى : منها أن يقال له : إذا جاز المصير إلى أن الواحد منا إذا قام به علم ، وجب أن يكون القائم بذات الرب خلافه ، فيلزم على طرد ذلك إذا قام به لون أو طعم أو كون أن تقوم بذات الرب تعالى صفات تخالف ما قام بنا . والذي يقطع تشغيب القوم أن نقول : كما لا يتحقق القول بالعلل مع نفي الأحوال ، فكذلك لا يتحقق القول بالحقائق والحدود مع نفيها . وبيان ذلك أن العلم بالسواد شاهدا ، يخالف العلم بالبياض من كل وجه عند نفاة الأحوال . فكذلك لا يتحقق اجتماع العلمين في حقيقة واحدة ، فكيف يتحقق اجتماع العلم الحادث والعلم القديم في حقيقة واحدة ، وليس لواحد من العلمين صفة زائدة على ذاته ، والذاتان مختلفتان لأنفسهما ؟ فمخالفة العلم الحادث العلم القديم كمخالفة العلم السواد . ومن قال بالحال استثبت له التمسك بطريق الحقائق ، فإن العلمين وإن اختلفا ، فقد اشتركا في العلمية ، وهي صفة زائدة على ذاتيهما ، فيتحقق اجتماع العلمين فيها ، فوضح بذلك وجوب طرد الحقائق . فأما من نفى الحال ، فلا يستقيم على أصله اجتماع مختلفات في حقيقة ، فقد أدى نفي الحال إلى إبطال العلل العقلية والحقائق جميعا . فإن نازعوا بعد ذلك وقالوا : إنما اجتمع العلمان من حيث سمي كل واحد منهما علما . قلنا : فلو لم تكن اللغات توجب على ذلك انتفاء الحقائق الموصلة إلى الاستشهاد بالشاهد على الغائب ، إذ من ينشأ في جزيرة ، ولم تبلغه لغة من اللغات ، وجب أن لا يجد سبيلا إلى إثبات الصفات من حيث عدم اللغات ، وكذلك لو انتفت اللغات بعد ثبوتها أو تبدلت ، لوجب انتفاء الحقائق أو تبدلها . وهذه جهالة عظيمة لا يخفى مدركها . وقد قال الأستاذ أبو بكر لما ضاقت به الحيل : ليس الجامع بين العلمين التسمية ، بل الجامع بينهما استحقاقهما لأن يسميا علمين ، وهذا من ركيك القول . فإن الاستحقاق ينقسم في الإطلاق فينطلق والمراد به الوجوب في حكم التكليف . ولا شك أن هذا الوجه مستحيل فيما نحن فيه . وينطلق والمراد به إيجاب العلل معلولاتها نحو قولنا : العلم يوجب كون العالم عالما . وهذا الوجه مستحيل فيما نحن فيه ، فإن العلم لا يوجب التسمية ، ووضع اللغة لا عن مواضعة ولا عن توقيف ، فبطل معنى الاستحقاق من كل وجه وتبين أن الاسترواح إليه تعليل النفس بالأماني . فإن قال الأستاذ : ما سمى أهل اللغة العلوم المختلفة بسكونها علوما وما جمعوها في