فكما جاز « 1 » انتزاع أمر « 2 » الممتدّ المتجدّد المتقضّى من الأمر الشّخصى الّذى لا امتداد فيه ولا انقسام ولا تجدّد ولا انقضاء ؛ فكذلك يجوز هيهنا بلا تفرقة أصلا . ومن هذا ظهر فساد ما ذكره بعض المحشّين في إبطاله من أنّه إذا كان امرا موهوما كان له منشأ انتزاع ، فننقل « 3 » الكلام اليه ، فهو إمّا واجب أو ممكن ، لا جائز أن يكون واجب الوجود ، فيكون ممكن الوجود ، فيلزم وجود قديم سوى اللّه تعالى ، لأنّا نختار أنّه ينتزع من الواجب تعالى ، ولا دليل على إبطاله وهو لم يذكر الّا الدّعوى » . « 4 »
أقول : حاصل ما أفاده وأجاده - نضّر اللّه وجهه - منع كون الزمان مقدار الحركة بتجويز كونه مقدار البقاء ، وهذا بعينه ما ذكره أبو البركات البغدادي بقوله : « ما يكون في الزمان لا يتصور بقاؤه إلّا في زمان مستمرّ ، وما لا يكون فيه كالواجب والمجرّدات الغير الزمانية لا بدّ وأن يكون لبقائه مقدار من الزمان . فالزّمان مقدار لبقاء الوجود واستمراره . وهذا مع انّه غير مطابق لدعواه لدلالته على كون الزمان مقدار البقاء » . وهو كما « 5 » سيأتي ، ادّعى انّه مقدار الوجود . يرد عليه أنّ المعقول من البقاء هو استمرار الوجود من حيث انتسابه إلى الزمان الثاني ، فيكون متوقفا عليه ، فلو كان الزّمان مقدارا له ، لتوقف « 6 » عليه ، ولزم منه الدور . وعلى هذا فلابّد في تصحيح معنى بقاء الواجب من القول بالزّمان التقديري كما سيأتي ، أو القول بأنّ بقائه تعالى عبارة عن عدم عروض عوارض الزّوال عليه ، وليس المراد به استمرار وجوده « 7 » المقارن للزّمان لتعاليه عن الزّمان ، لأنه « كان ولم يكن معه شئ » فلذا فسّروا - الباقي - من أسمائه تعالى بما لا سبيل للفناء عليه . « 8 »
ثم أنت خيبر بأنّ هذا الأمر الممتدّ المتجدّد المتقضّى الّذى ليست له مهيّة غير اتصال الانقضاء والتجدّد ، وعدم الاستقرار ، « 9 » لا يمكن اتنزاعه إلّا ممّا يختلف نسبته إلى الأمور الخارجة « 10 » وقبل
هامش
( 1 ) . جائز - ق .
( 2 ) . الأمر - ض .
( 3 ) . فينقل - ض .
( 4 ) . انتهى ما قال المورد في حاشيته .
( 5 ) . فقط - د . ض .
( 6 ) . ليتوقف - آ . ق .
( 7 ) . قال المتكلّمون : إنّ معنى كون اللّه تعالى قديما هو أنا لو قدّرنا وجود أزمنة لا نهاية لها ، لكان اللّه تعالى موجودا معها ، ولا يشترط أن يكون وجود الزمان مصاحبا له تعالى ، وإلّا لزم القدم وتسلسل الأزمنة ، لذا قال العلّامة في مناهج اليقين من أصول الدين وقال أيضا إنّ القديم لا يشترط فيه الزمان على ما بيّنا ، ويجوز أن يكون تقدّمه عليه بأوقات تقديريّه .
( 8 ) . اليه - ض .
( 9 ) . الاستمرار - ض .
( 10 ) . الخارجية - ض .