الأنفس ، وتقدير الآية : واللَّه يتوفّى التي لم تمت في منامها . ولو كان التوفّي بمعنى الإماتة ، لما استقام معنى الآية ، إذ يكون معناها حينئذٍ : اللَّه يميت التي لم تَمُتْ في منامها . وهل هذا إلّا تناقض ؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة ، كما في الفقرة الأُولى ؛ وعلى الإنامة أُخرى ، كما في الفقرة الثانية .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه :
« قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ »
، فمعناه : يأخذكم ملكُ الموتِ الّذي وُكّل بِكُم ثُم إنَّكُم إلى اللَّه ترجَعُون . وأنّ ما يُمثّل شخصيّتكم الحقيقية ( النفس ) لا يضل أبداً في الأرض ، وانّما يأخذه ويقبضه ملك الموت وهو عندنا محفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يضلّ ، وأمّا الضالّ ، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية .
فينتج أنّ الضال - حسب نظركم - لا يُشكّل شخصية الإنسان ، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند اللَّه ، الذي لا يضلّ عنده شيء .
والآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها ، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري .
فإذا كان لتجرّد النفس تأثير في الفلسفة والعقيدة الدينية ، فكان من اللازم صب الاهتمام الكثير على دراسته وعدم الاقتناع بما ذكره القدماء من المشّائين وغيرهم ونقلت في الكتب ، ولأجل تلك الغاية نأتي ببعض البراهين الّتي لم يذكرها الشارح اللاهيجي . وتُقنع الباحث النابه .
البرهان الأوّل : ثبات الشخصية في دوّامة التغيّرات الجسديّة
وهذا البرهان يتألّف من مقدّمتين :