إنّ القرآن يجيب عن شبهة القوم - أعني : ضلال الإنسان بموته وتشتّت أجزاء بدنه في الأرض - بجوابين :
أوّلهما : قوله :
« بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ » .
وثانيهما : قوله :
« قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » .
والأوّل : راجع إلى بيان باعث الإنكار ، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد ، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من ضلال الإنسان وتفرّق أجزاء بدنه في الأرض ، وإنّما هو ناشئ من تبنّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء اللَّه ، فصار ذلك مبدأ للإنكار .
والثاني : جواب عقلي عن هذا السؤال ، وتُعلم حقيقتُه بالإمعان في معنى لفظ « التوفّي » ، فهو وإن كان يفسّر بالموت ، ولكنّه تفسير باللازم ، والمعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً . وقد نصّ على ذلك أئمّة أهل اللغة ، قال ابن منظور في « اللسان » : « توفّي فلان وتوفّاه اللَّه : إذا قبض نفسه ، وتوفَّيْتُ المال منه ، واستوفيته : إذا أخذته كلّه ، وتوفّيت عدد القوم : إذا عددتهم كلّهم . وأنشد أبو عبيدة :
إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد * ولا توفّاهم قريش في العدد
أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم » . « 1 »
إنّ آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك ، وأنّ التوفّي ليس بمعنى الموت ، بل بمعنى الأخذ تماماً الّذي ربّما يتصادقان ، يقول سبحانه :
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها »
« 2 » . فإنّ لفظة « التي » ، معطوفة على
هامش
( 1 ) . لسان العرب : 15 / 400 ، مادة « وفي » .
( 2 ) . الزمر : 42 .