لأنّ الشخص الذي كان في أيام الصبا ، قد بطل - على هذا الفرض - وحدث شخص آخر .
لقد أثبت العلمُ أنّ التغيّر والتحوّلَ من الآثار اللازمة للموجودات المادية ، فلا تنفك الخلايا التي يتكوّن منها الجسم البشري ، عن التغيّر والتبدّل ، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر ، ولا يمضي على الجسم زمن إلّا وقد حلّت الخلايا الجديدة مكان القديمة . وقد حسب العلماء معدَّل هذا التجدّد ، فظهر لهم أنّ التبدّل يحدث بصورة شاملة في البدن ، مرة كلّ عشر سنين .
وعلى هذا ، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة ، ولكن الإنسان ، في الداخل ( أنا ) ، لا يتغيّر .
ولو كانت حقيقة الإنسان هي نفس هذه الخلايا لوجب أن يكون الإحساس بحضور « أنا » في جميع الحالات أمراً باطلًا ، وإحساساً خاطئاً .
وحاصل هذا البرهان عبارة عن كلمتين : وحدة الموضوع لجميع المحمولات ، وثباته في دوّامة التحوّلات ، وهذا على جانب النقيض من كونه ماديّاً .
البرهان الثاني : علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه « 1 »
إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء ، عن بدنه وأعضائه ، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه ، سليماً كان أم سقيماً ، وإذا أردت أن تجرب ذلك ،
هامش
( 1 ) . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات : 2 / 92 . والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص 282 و 464 .