2 . أنّ المعاد الجسماني الّذي اتّفق عليه المتكلّمون ورُوّاد الحكمة المتعالية - قدّس اللَّه أسرارهم - لا يتحقّق إلّا بالقول بتجرّد الروح والنفس الناطقة عن المادّة وأنّها باقية بعد الموت ، وفناء البدن .
فإذا قامت القيامة ورجع الروح إلى نفس البدن الّذي اجتمعت أجزاؤه بأمر اللَّه سبحانه ، يكون المعاد يوم القيامة هو نفس الإنسان الموجود في الدنيا .
وأمّا لو قلنا بأنّه ليس هناك وراء البدن شيء آخر ، وأنّ الإنسان يُفني بتفرّق أجزاء بدنه ، فالقول بالمعاد الجسماني بعينه يواجه أمراً مشكلًا ، إذ كيف يمكن أن يقال : إنّ المعاد هو نفس المبتدأ مع وجود الفاصل الزمني عبر قرون ، الملازم لكون المعاد - حين ذاك - مثلًا للمتبدإ لا عينه ؟
فلو فرضنا أنّ اللبنة بعد ما جفّت ، كسرها أحد وطيّنها وصنع منها لبنة جديدة ، يكون المعاد غير المبتدأ ، وما ذلك إلّا لفقد الصلة بين المعدوم والموجود ، فالقائل بالمعاد الجسماني يقول : إنّ المعاد بعد الفناء هو نفس المبتدأ لا مماثل له ، ولا محيص عن القول بوجود حلقة بين المبتدأ والمعاد تحفظ وحدة الأمرين ، وإنّما يختلفان زماناً لا عيناً .
وإن شئت قلت : إنّ المعاد جسمانياً وروحانياً - كما هو الحقّ - عبارة عن القول بتركّب الإنسان من بدن ونفس ، فللبدن كمال ومجازاة ، وللنفس كمال ومجازاة . والّذي يُحقِّق العينية هو وجود الصلة بين البدن الدنيوي والأُخروي .
هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم في قوله :
« أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » .
« 1 »
هامش
( 1 ) . السجدة : 10 - 11 .