عن الاستدلال على مشروعيتها بالآيات المذكورة ، وذلك لأنّ هذه المعاملات كانت سائدة بين الأُمم المتحضرة كما كانت رائجة في الجزيرة العربية أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتشريعه السامي ، فسكوته صلى الله عليه وآله وسلم يكفي في إمضائه فلو كانت محرّمة لردع عنها الصادع بالحق كما ردع عن الربا ، وقال سبحانه :
« قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا »
« 1 » . وكما نهى عن عدة من البيوع وأقسام من النكاح إلى غير ذلك .
فكلّ معاملة كانت سائدة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسكت عنها الشرع فهي ممضاة من قبله ، وهل وراء إمضائه أمر آخر ، « وهل قرية وراء عبادان » .
الثانية : انّ الآيتين الأُوليين إنّما تكشفان عن مشروعية الإجارة في الأُمم والشرائع السابقة ، فلا تكون دليلًا على مشروعيتها في الشريعة الإسلامية إلّا على القول بحجية « شرع من قبلنا » فيما لم يكن فيه نص في شريعتنا أو باستصحاب الحكم الثابت في الشريعة السابقة وجرّه إلى الشريعة اللاحقة ، وكلا الأمرين مورد بحث ونقاش ، وعقد الإجارة الّذي ملأ الخافقين في عصر الرسالة وعمل به الناس في عصره من دون أي ردع ، في غنى عن الاستدلال على جوازه بشرع من قبلنا ، أو باستصحاب حكمه .
وأغرب من هذا تفسير الآية الأخيرة بفرض البعض غنياً والآخر فقيراً ليسخّر الأوّل الثاني بالاستئجار للخدمة والعمل .
إنّ هذا التفسير لا ينسجم مع قوله سبحانه :
« نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
فانّ ظاهره انّه سبحانه أعطى لكلّ إنسان ما يعيش به غاية الأمر رفع بعضهم على بعض درجات ، وأين هذا من تفسيرها بالفقير الّذي لا يجد ما
هامش
( 1 ) . البقرة : 275 .