وهذه الآية تكشف انّ أُسلوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أُسلوباً مؤثراً في حقّ فريق دون فريق آخر . وانّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يستعن بأُسلوب غيبي في هداية الناس ، بل كان يمارس الأُسلوب الدارج بين العقلاء في التربية والتعليم .
ولأجل ذلك اختلفت درجات المهتدين ، فمنهم مَن بلغ القمة في الهداية حتّى صار مثالًا يُحتذى به ، ومنهم مَن بلغ دون ذلك ، ومنهم مَن رسب حتى صار رئيس الفئة الباغية حسب اختلاف قابلياتهم ، فهل يصحّ لعاقل أن يدّعي بأنّ صحبة ما ، قلعت ما في نفوسهم من جذور غير صالحة وملكات ردية وكوّنت منهم شخصيات مثالية أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح ؟ !
إنّ تأثير الصحبة عند مَن يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحليل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب ، فكأنّ الصحبة - عند القوم - قلبت كلّ مصاحب إلى إنسان مثالي يتحلّى بالعدالة ، وهذا ممّا يرده المنطق والبرهان ، وذلك لأنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز
« فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ »
« 1 » ، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحقّ وصبّهم في بوتقات الكمال مستعيناً بالأساليب الطبيعية والإمكانيات الموجودة ، كتلاوة القرآن الكريم والنصيحة بكلماته النافذة وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الأقطار ونحو ذلك ، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها ، فلا يصح لنا أن نزن الجميع بميزان واحد .
ويقول بعض المعاصرين تحت عنوان : « هل للصحابي خصوصية مسألة العدالة » :
هامش
( 1 ) . الأنعام : 149 .