والأنصار إلى وجوه لا دليل عليها .
وبما انّ الموضوع هو السبق في الهجرة ، والسبق في النصرة فلا ينطبق العنوانان إلّا على الذين أسّسوا أساس الدين ، ورفعوا قواعده ، قبل أن يشيّد بنيانه ، وتهتزّ راياته ، وهم على أصناف ، منهم من آمن بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وصبر على الفتنة والبلاء ، ومفارقة الديار والأموال بالهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة ، ومنهم من آمن به صلى الله عليه وآله وسلم ونصره وآواه وآوى أصحابه من المهاجرين ، واستعدّ للدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع .
وهذا ينطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر ، أو آمن بالنبي وآواه وتهيّأ لنصرته عندما هاجر إلى المدينة .
فالمبدأ هو ظهور أمر النبيّ من الفترة المكية ، والمنتهى هو قبل ظهور الإسلام وغلبته على أقوى مظاهر الشرك في المنطقة ، أعني : غزوة بدر .
وعلى ضوء ذلك يتبيّن المراد من الصنف الثالث ، أعني :
الثالثة : الذين اتّبعوا السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار بإحسان ، وهذه الطائفة عبارة عمّن أسلم بعد بدر إلى بيعة الرضوان أو إلى فتح مكة ، فلا تشمل الوافدين من العرب في العام التاسع الذي يطلق عليه عام الوفود .
وأمّا وجه الثناء على التابعين مع أنّهم ربّما لم ينصروا النبي الأكرم في مغازيه ، فلكونهم تضرروا وكابدوا المصاعب بفقد أقربائهم في المعارك ، وربّما لحقهم بعض الأذى ، والمراد من التابعين بإحسان هم الذين صلحت سيرتهم وسلوكهم فصاروا بعيدين عن اقتراف الذنوب ومساوئ الأخلاق .
رسائل ومقالات — صفحة 569
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٦٩