السلة والذلة وهيهات منّا الذلة ، يأبى اللَّه لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية وجباه أبية . . . » .
والسر في ذلك يعرضه مرة أُخرى « جون » مولى أبي ذر الغفاري حين أشار عليه الحسين بن علي أن يتنحى عن المشاركة في قتال « عاشوراء » فيجيبه جون : لا واللَّه . . . أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم ؟ ! واللَّه لا أُفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم . . . فأذن له الحسين حتى استشهد بعد أن قتل خمسة وعشرين رجلًا .
هو - اذن - درس في امتحان الصحابة وفرزهم عن جموع الموظفين الذين يتزاحمون ساعة الطمع ويفرون ساعة الفزع . . . والقائد هنا لا يكذب على أتباعه بالشعارات ولا يصفهم في طوابير بالحديد والنار ليقاتلوا دونه ، ولكنّه يصارحهم بالحرية في البيعة والوضوح في القصد ، فالبطولة ليست بهلواناً والمعركة ليست قتالًا مجرداً من العقيدة والرسالة والإرادة .
وهو درس للذين يتسابقون بدافع القوة من قوة الآخر وهيمنته وجبروته للسجود بين يديه ، والاضمحلال فيه لخدمة مصالحه ، واستناد إلى الواقع بمنطقه المعكوس لتبرير هذا الانجرار ، هؤلاء لم يسمعوا « حنظلة الشبامي » [ كذا ] وهو ينادي على الحسين : « صدقت يا ابن رسول اللَّه أفلا نروح إلى الآخرة . . . » ، ولم يصغوا للشيخ الطاعن في السن « أنس الكاهلي » الذي رأى النبي وسمع حديثه وشهد معه بدراً وحنيناً وقد برز رافعاً حاجبيه بالعصابة ومقاتلًا دون الحسين حتى استشهد .
لم تكن قلة العدد - اذن - معياراً للهزيمة أو الانكسار ، ولم يكن الانكسار مؤشراً لاندحار الحقّ وغلبة الباطل . . . ولم تكن الهزيمة والغلبة مدعاة للرضوخ والاستسلام ، وما كان الصادقون - آنذاك - قصراً عن تبرير الواقع وتسويغه
رسائل ومقالات — صفحة 597
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٩٧