تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ومقالات — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
والطاغوت . . . تعلمنا كيف نمد أيدينا لنصافح أو نعاهد أو نعاقد ، وكيف نسحب أيدينا حين تكون المسألة متعلقة بالعزة والكبرياء والانفة ، وحين تحس النفس المؤمنة بأنّ عقد الصلح قيد لإذلالها وإذعانها لشرعية الطاغوت يعلمنا الحسين بن علي الفقير الذي تربّى في حضن جدّه المصطفى كما تربّى والده علي كرم اللَّه وجهه منذ ولد في كنف ابن عمه عليه السلام كيف نحافظ على بساط التفاوض مع الأعداء نسحبه حين يكون الإقرار إقرار العبيد ، ونرفضه حين يكون استجداء كإعطاء الذليل الذي يشعر بانسحاق إرادته أمام سيده . . . فالعزة ليست في المنصب والمال ولا في « السلة » التي يوهمنا بها أدعياء الرفاه والاستقرار ، ولكنّها بمقدار ما يملك الإنسان من إرادة وعزيمة وبمقدار ما يرتفع إليه من إيمان وشجاعة والتزام . أين نحن اليوم من حكمة شهيد كربلاء ومحنته المليئة بالدروس والمواقف ؟ انّ الذين يقرءون هذه المحنة التي واجهها الهاشميون من آل عترة المصطفى عليه السلام سيدركون - لا ريب - حجم القوة الإيمانية التي تدفع اثنين وثمانين رجلًا وامرأة للوقوف مع الحقّ في وجه أكثر من اثني عشر ألفاً من جيش يزيد بن معاوية . . . وتجعلهم مع محارمهم اللواتي ما هتك لهنّ ستر قط يواجهون عطشاً وحصاراً وظلماً وجبروتاً يقع بعده الشهيد تلو الشهيد من أبناء الحسن وجعفر وآل أبي طالب أحفاد رسول اللَّه عليه السلام دون أن يدفعهم ذلك إلى قبول « الذلة » ومبايعة يزيد « بالخلافة » . درس في البيعة - اذن - ودرس في قبول الصلح والانسياق خلف سلال الغنيمة . . . فما الذي دفع الحسين إلى رفض السلة مع الذلة معاً ؟ السر في ذلك يلخصه رضي اللَّه عنه في إحدى خطبه فيقول : « . . . لا واللَّه لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ إقرار العبيد ، ألا وانّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ، بين