ثم اعلم أنّ للتوحيد بحسب القسمة الأولى ثلاث مراتب أدناها مرتبة توحيد الأفعال وهو أنّ يتحقّق بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحقّ اليقين أن لا مؤثّر في الوجود إلّا الله تعالى وقد انكشف ذلك على الأشعري إمّا من وراء حجاب القوة النظرية « 1 » أو اقتبسه من مشكاة النّبوة فإنّه قليلا ما يفارق ظواهر الكتاب والسنّة والحكماء أيضا قائلون بأنّ اللّه تبارك وتعالى هو الفاعل الحقيقي لجميع الممكنات وأنّ ما عداه بمنزلة الشرائط والآلات وهذا وان كان خلاف ما اشتهر بين المتأخرين المنتحلين لأقاويلهم لكنّه ممّا صرح به المحققون منهم حتى شيخهم ورئيسهم أبى على حسين بن عبد الله بن سينا في كتابه المشهور بالشفا ولتلميذه الفاضل عمر بن خيام رسالة في ذلك « 2 » أشبع القول فيها وبيّنه بمقدمات دقيقة لولا ما أنا فيه من الشواغل العائقة وكونى على جناح السفر « 3 » للخّصت بعضها وذكره أيضا تلميذه بهمنيار في كتابه التحصيل مشيرا إلى بعض مقدمات دليله .
وأعود إلى أصل الكلام « 4 » وأقول إنّ هذه المرتبة من التوحيد وهو توحيد الأفعال أول فتوحات السالكين إلى الله تعالى ومن نتائج هذه المرتبة التوكّل وهو أن تكلّ الأمور كلّها إلى الفاعل الحقيقي وتثق بعنايته وجوده .
وثانيها مرتبة توحيد الصفات وهو أن يرى كل قدرة مستغرقة « 5 » في قدرته الشاملة وكل علم مضمحلا في علمه الكامل بل يرى كلّ كمال لمعة من عكوس أنوار كماله كما أنّ الشمس إذا تجلّت وانتشرت أضوائها على الأعيان
هامش
( 1 ) . القوة الفكرية . ج - د .
( 2 ) . في تحقيق ذلك . ج .
( 3 ) . على جناح السفر مستوفرا .
( 4 ) . على أصل الكلام . ج .
( 5 ) . مسبوقا . د .