قلنا : وأي شيء تأويل قول القائل : رأيت اللّه جهرة إلا المعاينة ، أو إعلان المعاينة ، قال اللّه عز ذكره :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
.
والجهر هو الإعلان والرفع والإشاعة ، فهل يراه أهل الجنة - إذا رفع عنهم الحجب ، ودخلوا عليه وجلسوا على الكرسي عنده - إلا جهرة ؟ كما تأولتم الحديث الذي رويتموه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تضامون في رؤيته كما لا تضامون في القمر ليلة البدر » ، إلا أن يزعموا أنهم يرون ربهم سرا لأنه ليس إلا السر والجهر ، وليس إلا الإعلان والإخفاء ، وليس إلا المعاينة .
فإن قالوا : نحن لا نقول بالمعاينة ، ونقول : نراه ، ولا نقول نعاينه .
قلنا : ولم ، وأنتم ترونه بأعينكم ؟ فمن جعل لكم أن تقولوا نراه بالعين ، ومنعكم أن تقولوا نعاينه بالعين ؟ وهل اشتقت المعاينة إلا من العين ؟ .
فإن قالوا : لا يجوز أن يلفظ بالمعاينة إلا في الشيء الذي تقع عينه علي ، وتقع عيني عليه . فأما إذا كان أحدهما ذا عين ، والآخر [ ليس ] ذا عين ، فغير جائز أن تسمى الرؤية معاينة ، وإنما المعاينة مثل المخاصمة ، ولا يجوز أن أقول :
خاصمت إلا وهناك من يخاصمني .
قلنا : قد يقول الناس أسلم فلان حين عاين السيف ، وليس للسيف عين ، وليس هناك من يقاتله . على أنكم قد تزعمون أن للّه عينا لا كالعيون ويدا الا كالأيدي ، أوله عين بلا كيف ، وسمع بلا كيف .
[ 23 - دليل المشبهة على أن اللّه جسم الآية وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
]
فصل منه : وقالت - أيضا - المشبهة :
الدليل على أنه جسم قوله عز ذكره :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
قالوا : فلا يجيء إلا إلى مكان هو فيه ، ولو جاز أن يجيء إلى مكان هو فيه جاز