قد رأينا اللّه استعظم الرؤية استعظاما شديدا ، وغضب على من طلب ذلك وأراده ، ثم عذب عليه ، وعجب عباده ممن سأله ذلك ، وحذرهم أن يسلكوا سبيل الماضين ، فقال في كتابه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
.
فإن كان اللّه تعالى - في الحقيقة - يجوز أن يكون مرئيا ، وببعض الحواس مدركا ، وكان ذلك عليه جائزا ، فالقوم إنما سألوا أمرا ممكنا ، وقد طمعوا في مطمع ، فلم غضب هذا الغضب ، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام ، وضرب به هذا المثل ، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف بالربوبية .
فإن قالوا : لأن ذلك كان لا يجوز في الدنيا ، فقدرة اللّه تعالى على ذلك في الدنيا كقدرته عليه في الآخرة .
فإن قالوا : ليس لذلك استعظم سؤالهم ، ولكن لأنهم تقدموا بين يديه .
قلنا : لم صار هذا السؤال تقدما عليه واستخفافا به ، والشيء الذي طلبوه هو مجوز في عقولهم ، وقد أطمعهم فيه أن جوزوه عندهم ، والقوم لم يسألوا ظلما ولا عبثا ولا محالا . ومن عادة المسؤول التفضل ، وأنه فاعل ذلك بهم يوما .
فإن قالوا : إنما صار ذلك الطلب كفرا وذنبا عظيما لأنه قد كان قال لهم : إني لا أتجلى لأحد في الدنيا .
قلنا : فإن كان الأمر على ما قلتم لكان في تفسير إنكاره لطلبهم دليل على ما يقولون ، ولذكر تقدمهم بعد البيان ، بل قال :
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
لا غير ذلك .
فإن قالوا : إنما غضب اللّه عليهم لأنه ليس لأحد أن يظن أن اللّه تعالى يرى جهرة .