كما عرفت مبرّى منها وقال سبحانه :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
وقال سبحانه :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
الآية .
فتبين من جميع ذلك أن عالم الأمر مؤلف من عوالم كثيرة مترتبة بعضها لا تحديد ولا تقدير لموجوداتها غير أنّها معلولة له سبحانه بل هي موجودات طاهرة نورية متعالية دائمة غير نافذة ولا محدودة وبعضها يشتمل على موجودات نورية طاهرة غير نافدة لكنها محدودة ويشتمل الجميع على جميع كمالات هذه النشأة الجسمانية ولذائذها ومزاياها بنحو أعلى وأشرف غير مشوب بنواقص المادة وإعدامها وكدوراتها وآلامها ولا حجاب يحتجب الحق سبحانه به عنها كل ذلك بحسب وجودهم ومراتب ذواتهم .
ثم إن الحق سبحانه بين أن الروح من هذا العالم فقال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
ومما مرّ من البيان تعرف أن قوله سبحانه :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
يشتمل على بيان الحقيقة وليس استنكافا عن الجواب والبيان فبين سبحانه إن الروح موجود أمري غير خلقي كما يومي إليه قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
فظهر بذلك أنّه مشارك مع سائر موجودات عالم الأمر في شؤونهم وأوصافهم وأطوارهم ثم قال سبحانه :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
فبين ان الروح كان غير البدن وانّه إنّما سكن هذه البنية بالنفخ الربّاني وهبط إليه من مقامه العلوي ثم قال سبحانه :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
.
فبان بذلك أن هذا الطائر القدسي سيترك هذه البنية المظلمة