فالتسخير والتدبير للأمر وبالأمر دون الخلق وإنّما للخلق وهو مجموع عالم الأجسام الآلية والأداتية قال تعالى :
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
الآية .
فهذا أول الفروق التي يفترق بها الروح عن الملائكة وهما جميعا من عالم الأمر فالروح موجود مجرد محلّى بحلل الكمالات الحقيقية مبرّى عن القوة والاستعداد والمنقصة والعدميات منزّه عن الاحتجاب بحجب الزمان والمكان سائر في مراتب الأمر ومدارج النور وهو مع ذلك يقبل أن ينزل عن عالمه إلى هذا العالم فيتحد بالأجسام ويتصرف في جميع الأنحاء الجسمية والجهات الاستعدادية والإمكانية بالاتحاد من غير واسطة بخلاف الملائكة فإنّهم محدودو الوجود بعالم الأمر لا يجاوزون أفق المثال .
ثم أنّه سبحانه قال :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
الآية فبين أن هبوطهم إلى الأرض يوجب انشعاب الطريق إلى شعبتين شعبة السعادة وشعبة الشقاوة وتفرقهم فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير ثم قال سبحانه :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
.
فبين أن طريق الشقاوة في الحقيقة هلاك وبوار فهناك منتهى سفرهم من عالم القدس وأما طريق السعادة فهو الحياة الجارية الدائمة قال تعالى :
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وقال سبحانه :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
وقال سبحانه :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
وقد قال تعالى :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ