فإذا سمعوه استخفّ بهم الطرب فمن بين من يرقص ومن بين من يفرقع أصابعه ومن بين من يشق ثيابه . فقال له : وأي الأشياء أقرّ لعينك ؟ قال : النساء هن فخوخي ومصائدي فإنّي إذا اجتمعت على دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن .
فقال له يحيى ( عليه السّلام ) : فما هذه البيضة على رأسك ؟ قال :
بها أتوقى دعوة المؤمنين . قال ( عليه السّلام ) : فما هذه الحديدة التي أرى فيها ؟ قال : بهذه أقلب قلوب الصالحين . قال يحيى ( عليه السّلام ) : فهل ظفرت بي ساعة قط ؟ قال : لا ولكن فيك خصلة تعجبني . قال يحيى ( عليه السّلام ) : فما هي ؟ قال : أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل . قال يحيى ( عليه السّلام ) : فإنّي أعطي الله عهدا إنّي لا أشبع من الطعام حتّى ألقاه . فقال له إبليس : وأنا أعطي الله عهدا إنّي لا أنصح مسلما حتّى ألقاه . ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك . الحديث ، وهو مروي عن طرق العامة أبسط من ذلك والروايات في أقسام إغواءاته وتزييناته عند أنواع المعاصي والذنوب بتصويرات عجيبة فوق حد الإحصاء وكل ذلك يشهد أنّها تمثلات مثالية منه لعنه الله غير مادية .
وبما تقرر يندفع ما ذكره بعضهم أنّا إذا عملنا سيئة فلا نجد في أنفسنا إلّا تصورا للفعل وتصديقا وجزما وإرادة وتحريكا للأعضاء بالعضلات ولم نجد أثر المؤثر آخر يسمى شيطانا فليس إلّا القوى المادية لميلها إلى الشهوة والغضب والخواطر المنبعثة فالشيطان كناية عنها والوسوسة كناية عن الخواطر من حيث وقوعها في طريق الشر وهذا الكلام يطرد في جانب الملك والهامة كما لا يخفى .
ووجه الاندفاع ظاهر إذ الشيطان والملك في طول الإنسان
الرسائل التوحيدية — صفحة 154
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٤