تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
مالكاً في أن لا قصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلاً بغير أن يعضد قوله هذا قرآن ، ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ، ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ، ولا نظر ، ولا احتياط ، ولا رأي يصح ، بل خذلهم مالك في هذه المسألة بعينها ، فروى عنه أشهب أن القصر جائز في أربعين ميلاً ، وروى عنه ابن الماجشون في " المبسوط " ( 1 ) لإسماعيل أن القصر جائز في أربعين ميلاً ، وروى عنه إسماعيل بن أبي أويس ابن عمه وابن أخته ( 2 ) أن القصر جائز في ستة وثلاثين ميلاً ، وأنه بلغه ذلك عن ابن عباس وابن عمر ، فقد أسلمهم صاحبهم في هذه المسألة وتبرأ من تقليدهم ، وبالله تعالى التوفيق . وما علم قط ذو حس سليم فرقاً بين ثمانية وأربعين ميلاً وبين سبعة وأربعين ميلاً ولا بين ستة وثلاثين ميلاً وخمسة وثلاثين ميلاً وأربعين ميلاً ، وكل هذا لا معنىً له ، ولا يتشاغل به ناصح لنفسه أصلاً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . 35 - ثم قالوا : " وقلت في الحد على قاذف الصبية دون البلوغ : إنما لزمه الحد للكذب وغيرها عندي [ 195 / أ ] سواء " . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إننا هكذا نقول ، لأن الله تعالى يقول : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ( النور : 4 ) ، والصغيرة محصنة بالإسلام وبالحرية ، وبعدم الزنا منها جملة بيقين الكذب عليها ، وقلنا : العجب كله ممن يوجب الحد بالشك في كذبه ولعله صدق ، ثم يسقط الحد بيقين الكذب ، وإنما كان ينبغي لهم أن يعجبوا من قياسهم حد القذف والزنا على قذف آخر بفعل قوم لوط ، وبين قاذف بالكفر أو ببعض الكبائر من الزنا وأكل لحم الخنزير وغير ذلك ، فمن أين خصوا من رمى آخر بفعل قوم لوط بالحدود دون من رماه بالكفر أو بالعقوق أو بشرب الخمر ، وهم لا يقولون إن فعل قوم لوط زنا ولا حده عندهم حد الزنا ، فمن هذا ينبغي أن يعجب ، لا ممن تعلق بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم . إلى ها هنا انتهى ما رسموا من السخف ، وقد أوضحنا أنه كله عائد عليهم ، وهم قوم كادونا من طريق المغالبة وإثارة العامة ، فأركس الله تعالى جدودهم ، وأضرع خدودهم ، وله الحمد كثيراً ، وخابوا في ذلك فعادوا إلى المطالبة عند السلطان ، وكتبوا
هامش
( 1 ) المبسوط في الفقه كتاب لإسماعيل بن إسحاق القاضي أحد أعلام مذهب مالك ، وكانت وفاته سنة 282 ( الديباج 92 - 95 ) . ( 2 ) إسماعيل بن أبي أويس أبو عبد الله هو ابن عم مالك وابن أخته وزوج ابنته ، توفي سنة 226 ( الديباج : 92 ) .