تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
القرآن والسنن ، ورفض التقليد والقياس ، وهم الذين خالفوا من مضى في كل ذلك . فلو اتبعوا طريقة من مضى ليلموا في دينهم ، وأما طريق من بعد الصحابة والتابعين من أهل التقليد والقياس ، فيعيذنا الله من اتبع طريقتهم وسلوك منهجهم ، ونسأل الله العافية من الخزي في ميزانهم ، وله الحمد كثيراً [ 192 / أ ] على عصمته من ذلك من جميع البدع المضلة حمداً كما هو أهله . 30 - ثم قالوا : " وإنك رتبت في كتبك خلاف ما رتبه الماضون المتفقون في الأحكام والشرائع في حكم ترتيب الصلوات وإرفاعها وحكم النية والوضوء ، فقلت : إنه [ إن ] توضأ لصلاة بعينها لم يجز له أن يصلي بذلك الوضوء صلاة غيرها " . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - ان هؤلاء القوم لا يستحيون من الكذب ، ومن هذه صفته فقد كان الإضراب عن مجاوبته أولى ، ولكن عدم العقل ممن هذه صفته يوهمه بجهله ، إن أعرض عن مجاوبته ، ان ذلك عجز عن البيان وإجلال لهم ومهابة منهم ، فرأينا في واجب النصيحة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن وللمسلمين عامة ، مجاوبتهم ، مبينين لجهلهم وكذبهم ، ومزيلين لهذا الظن السوء عن أنفسهم ، وتعريفاً لهم بمقاديرهم ، كي يرتدعوا بذلك عن مثل هذا الهوس البارد وشبهه . فأما قولهم : إننا نقول : من توضأ لصلاة بعينها لم يجز له أن يصلي بذلك الوضوء صلاة غير تلك الصلاة ، فهذا قول ما قلناه قط ، ولا نجده لنا ولله الحمد كثيراً في رواية أحد من ثقات أصحابنا عنا ، وكيف وقولنا المشهور والذي لم نختلف فيه قط أن من تيمم لصلاة فرض أو نافلة ، فإن له أن يصلي بذلك التيمم أبداً ما لم ينتقض وضوؤه بحدث من الأحداث ، كالوضوء ولا فرق ، أو ما لم يجد ماء ، لكن لو سألوا أنفسهم في قولهم : إن من تيمم لفرض صلى به بعد الفريضة ما شاء من النوافل ، وإن تيمم لنافلة لم يصل به بعدها فرضاً ، لكان أولى بهم ، فغن هذا لا يعقل وجهه ولا يدرى من أين وجب ، ولعل الناسين رأوا لنا مسألة أخرى لم يفهموها ولا أحسنوا تأديتها من أين : إنا نقول من توضأ لصلاة بعينها ونوى أنه لا يرفع الحدث بوضوئه إلا لتلك الصلاة فقط لا لغيرها ، فإنه لم يتوضأ [ 192 ب ] كما أمر ، ولا يصلي بذلك الوضوء لا تلك الصلاة ولا غيرها ، إذ لم يأت بالوضوء الذي أمر الله تعالى به ، فهو غير متطهر .