تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
والله تعالى يقول : { وافعلوا الخير } ( سورة الحج : 77 ) . لكن لو أنكروا على أنفسهم البدعة المحضة والضلال الذي في أيديهم بالخطبة قبل الصلاة في العيدين ائتساء بمروان إذ يقول ، وقد ذكر له أبو سعيد الخدري السنة في ذلك فقال له مروان : ذهب ما هنالك يا أبا سعيد . وتمادوا على ذلك بعد زوال أمر بني مروان اتباعاً للبدعة وثباتاً على الضلالة . فهذا كان ينبغي لهم أن ينكروا لا [ تنفل ] من تنفل بما لم ينه عنه . ونسألهم هل صح قط عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هل صام [ أكثر من نصف ] الدهر ، أو صلى أكثر من ثلاث عشرة ( 1 ) ركعة من الليل ، أو أباح أكثر من قيام ثلث الليل فلابد لهم من الإقرار بأنه لم يأت قط عنه عليه السلام إلا ذلك ؛ فمن أين استجازوا أن يستبيحوا خلاف أمره وفعله ، فيبيحوا صوم أكثر من نصف الدهر ، وقيام أكثر من ثلث الليل ، وصلاة أكثر من ثلاث عشرة ركعة ، ولم يفعله قط صلى الله عليه وسلم فإن قالوا : قد جاز لك عن بعض الصحابة . قيل لهم : وقد [ 191 ب ] صح تحريم ذلك عن بعضهم أيضاً ، فلم أجزتم الفعل المخالف للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمره ولفعله وأنكرتم علينا فعلاً جماعة من الصحابة ، ولم يصح النهي عن أحد منهم ، ولا نهى عنه قط رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل هذا إلا أحموقة منهم وجهل وغباوة وأما قولهم : إننا خالفناهم لولوعنا بالاحتجاج ، فقد أريناهم كذبهم ، وأننا لم نخالفهم ، ولكن أولعنا بالاحتجاج بالقرآن والسنن ، فإنه لأفضل من ولوعهم باتباع التقليد وخلاف القرآن والسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الصحابة والتابعين . أما قولهم : " ليرفع الناس رؤوسهم إلينا " ، فكذب واضح ، وما أردنا قط الترؤس على أمثالهم ، ولو أردنا ذلك لسلكنا سبيلهم في التقليد ، ولو فعلنا ذلك لما شقوا غبارنا في الرياسة في الدنيا ، هذا ما لا يقدرون على إنكاره ، فما منهم أحد يدعي انه يدانينا - ولله الحمد - في حفظ ما طلبوه ، ليأكلوا به الخبز الخبيث لا الطيب ، من الآراء ، لو ملنا إليها أول ميلة ، ولكن معاذ الله من ذلك ، فما هذه الرياسة عندنا إلا نهاية الخساسة ، وأما الذي نطلب الرياسة عنده ، فهو الملي بقبول رغبتنا في ذلك لا إله إلا هو . وأما قولهم : " لو سلكت طريقة من مضى لكان أجمل لك " فنعم ولله الحمد ، نحن السالكون طريقة من مضى من الصحابة والتابعين الذين هم الناس حقاً في اتباع
هامش
( 1 ) ص : ثلاثة عشر .
رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 109 | ابن حزم