المقدمة
الأصل يقال لكون الشيء أولى ما لم يعارضه شيء يقتضي العدول عنه ، وقد يعبّر عنه بما لا يصار عنه إلّا بالدليل ، - كما في الحاشية القديمة للفاضل المحقّق الدواني قدس سرّه - وقد يقال على القاعدة والضابطة ، وعلى الكثير الراجح في نفسه السابق في الاعتبار ، كما يقال :
الأصل في الكلام الحقيقة ، وإذا كان الأصل فيه هذه كان الأصل عدم القرينة ؛ لأنّهما متلازمان . ومنه يظهر أنّ قولهم : « الأصل عدم القرينة » ليس كلاما ظاهريّا تخمينيّا - كما ظنّه بعض المعاصرين - بل هو كلام واقعيّ تحقيقيّ ، فإنّ من البيّن الواضح الجليّ أنّ الحقيقة أغلب وأكثر ، فهي أرجح من نقيضها وأظفر ، وهو معنى قولهم : « الأصل عدم القرينة ، لأنّه الكثير الراجح في نفسه السابق في الاعتبار ، فلا يصار عنه إلّا بدليل » ، ولذا نظنّ ، بل نتيقّن إرادة الحقيقة من الأخبار الواردة في الأصول والفروع وغير هما مع عدم القرينة ، فإذا سمعنا في الأصول أو الفروع حديثا فمع تبادر الحقيقة للعلم بالمعنى الشرعيّ أو العرفيّ أو اللغويّ يحصل لنا الظنّ ، بل اليقين بإرادتها مع إمكانها إلّا أن يصرف عنها صارف من العقل أو النقل ومن الغريب أن يحمل السامع العالم بالوضع كلاما ألقي إليه على معناه المجازي من دون قرينة صارفة عن معناه الحقيقي ثمّ يعلّله بقوله : وإنّما حملته عليه مع عدمها لأنّ عدم نصب المتكلّم لها لعلّه كان لحكمة خفيّة لا اطّلاع لي عليها ، أو لعلّه نصبها وكنت أنا على غفلة منها ، وهل هذا إلّا خرق الإجماع ، لإطلاقهم على أنّ كلّ مجاز لا بدّ له من قرينة صارفة عن الموضوع له ، إمّا عقليّة أو نقليّة ، حاليّة أو مقاليّة ونحوها ، وخاصّة إذا كان المتكلّم من أفصح العرب ، بيد أنّه من قريش وقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ، صلوات اللّه عليه وعلى عترته الأطياب .
نعم ، يمكن أن يقال : القرينة المنصوبة في المجازات قد تكون خفيّة بحيث لا يحصل المراد منها إلّا بعد تأمّل ودقّة نظر كما في الحلقة المفرغة ، ولذا قسّموا الاستعارة إلى العامّيّة