والثاني يعتبر الشرّ وجوديا كالخير ، إلا أنه يجب في جنب الخير الاكثري ، الملازم له كيانا وآثارا ، فترك الخير الكثير ذودا عن الشر القليل ، هذا شر كثير يجب ان يحظر ، حفاظا على الأرجح في المصلحة .
الوجود خير محض ؟
وتفصيل القول في النظرية الأولى : « أن أفلاطون وحزبه يعتبرون الوجود محض الخير ، وأن الشر أمر عدمي لا يحتاج إلى علة الايجاد :
ففي حادثة القتل ظلما ، لا نجد شيئا من العلل الموجودة الّا ما هو خير في نفسه : فقوة الضرب في القاتل وإرادته له : هذا كمال ، حيث لو لم يقو على ما يبتغيه كان ناقصا فلجا ، وأثر السكين وكذا تأثّر اللحم عن حدّه ، هذان أيضا كمالان للفاعل والمنفعل ، فلو لا الأول لم يكن السكين سكينا أو حادّا ، ولولا الثاني لم يكن اللحم لحما ، إلّا حجرا أو حديدا .
فهذه العلل الوجودية كلها كمالات ، وأما الموت الناتج عنها فهو أمر عدمي هو انفصال الروح عن البدن - والعدم لا يحتاج إلى العلة » .
هذا ولكنه مقالة عجيبة في الفلسفة : ان الموت لا يحتاج إلى العلة ، وقد عدوا له هنا عللا وجودية يعتبرونها كاملة في ذواتها وافعالها .
كلّا ! ان هذا الموت اللّاحق للحياة ليس امرا عدميّا وإنما هو امر إعدامي أي إعدام للحياة ، والإعدام بحاجة ضرورية إلى العلة كالإيجاد وكلا المعلولين أمران وجوديان .
وإنما الموت العدمي هو قبل حصول الحياة ، وقد يعتبر القرآن الموت الأول مخلوقا وظرفا للابتلاء :
« خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا »
وليس الموت مخلوقا ولا بلاء إلّا بعد الحياة ، إذ إن الموت الذي قبلها ليس معه