القوى التي ذكرنا ما أراد ذلك ، ولو أعطي الدنيا بأسرها . ألا ترى أنه قد أعطاه اللّه من الآلة والسلامة ، ما هو خير له من الدنيا وما فيها .
ويوضح صحة ما ذكرنا أن سلطانا ممن له مال كثير وهيئة واسعة « 1 » لو دخل عليه حصنه عدوّ له أو قرب منه أنه يهرب بنفسه إذا أمكنه الهرب ، ويخلّي حصنه وأهله وأمواله ، ألا ترى أنه رأى نفسه خيرا له من ذلك ؛ فهذا دليل على عظم النّعمة وكبرها .
ومن ذلك : ما خوّل الإنسان من الأرزاق والمال والخدام ، فإنه جعل للأحرار عبيدا من بني آدم لتبلغ النعمة وتظهر الحكمة ، ولو جعلهم سواء لا يملك الأحرار المماليك ، لدخل عليهم الضرر ، ولأدى ذلك إلى أن يتولى الإنسان جميع الأعمال بنفسه التي لا يستغني عنها ، ولو كان كلّ إنسان يتولّى خدمة نفسه لاشتغل كل إنسان بمصالح نفسه وقوته عن العلم « 2 » وطلبه وعن أعمال الآخرة وعن الجهاد ، ولكان من أراد الاستئجار على الأعمال تستوعب ماله الأجرة ، وقد قال تعالى :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[ الزخرف : 32 ] ، فأنعم اللّه على المالك بملك المملوك ، وسخّره له في دنياه ، فإن صبر العبد على هذه البليّة ، وأطاع ربه أعاضه في الآخرة « 3 » ، وكان الثواب له نعمة آجلة ، وملك سيّده له
هامش
( 1 ) في ( ش ) : وهيبة واسعة .
( 2 ) في ( ص ، ع ) : في قوته عن العلم . وفي ( م ) : وفوّته عن العلم .
( 3 ) في ( ع ، ل ) : أعاضه اللّه في الآخرة .