ومما يوضح ما ذكرنا من جزيل النعم والكرم من اللّه والرحمة : أن كل ما كان لا حياة للناس إلا به أنه كثير ورخيص « 1 » ، من ذلك :
الطّعام والماء واللبن والصّوف والوبر ، وليس كذلك الذهب والفضة والدّر وما كان من جنسه ، والمسك والعنبر وما كان من جنسهما ، والحرير والخز ؛ فلما كانت هذه الأشياء يوجد من دونها ما يغني عنها ، وكان عدمها لا يؤدي إلى هلاك الحيوان ؛ كانت قليلة غالية ، وكان في قلّتها صلاح النّاس . ألا ترى أن من كثرت هذه الأصناف عنده ، - أو بعضها - ولم ينفقها في سبيل اللّه أنها تدعوه إلى الأشر والبطر وظلم الناس والبغي في الأرض بغير الحق .
ولما كانت حاجة الناس إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى الطعام جعل اللّه الماء كثيرا وأرخص من الطعام ؛ ولأنهم يحتاجونه للتطهر به والغسل والشرب وسقي الأراضي والبهائم ، فمن هاهنا جعله اللّه أكثر وأرخص ، نعمة منه وتفضلا .
فإن قيل : لم جعل اللّه الرزق يقل ويكثر ويتيسّر - وحينا يتعسّر - وجعل أكثر الرزق في الضّرب في الأرض والتكسّب والطّلب ، والتّجارة والصناعات ، والمؤاجرة والحرث ، وأصناف الطّلب ؛ ولم يجعله سهلا يأكل الإنسان من فوقه ومن تحت رجليه « 2 » ، وكان يكون أتمّ للنعمة ؟
هامش
( 1 ) في ( ب ، ع ) : كثير رخيص .
( 2 ) في ( ب ) : ومن تحت رجله .