محتاجا إلى فعله ، أو قادرا غير محتاج بل يفعله عبثا ، على الأول يلزم جهله تعالى ، وعلى الثاني عجزه ، وعلى الثالث احتياجه ، وعلى الرابع سفاهته ، والكل عليه محال كما عرفت .
2 - معنى الحسن والقبح وأنهما عقليان :
ذهب الإمامية ومن تابعهم من المعتزلة إلى أن الحسن والقبح عقليان ، بمعنى أن للأشياء في حد ذاتها مع قطع النظر عن ورود الشرع حسنا وقبحا ، وبعضها يعلم حسنه وقبحه بضرورة العقل ، كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، وبعضها يعلم حسنه وقبحه بالنظر كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار ، ومنها ما يعجز العقل عن العلم بحسنه أو قبحه فيكشف الشرع عنه كحسن صوم أول يوم من شهر رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال .
ذهب الأشاعرة وهم جمهور المخالفين إلى أن الحسن والقبح شرعيان وأن العقل لا يقضي بحسن شيء ولا قبحه ، بل القاضي بذلك هو الشرع ، فلو أمر الشارع بالظلم صار حسنا ولو نهى عن العدل صار قبيحا ، ويدل على بطلان قولهم وجوه كثيرة من العقل والنقل قد بسطنا الكلام فيها في رسالة على حدة ونذكر هنا جملة منها :
أولها : أنهم أنكروا البديهة والضرورة فإن كل من له أدنى عقل وشعور يعلم بالبديهة حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار .
ثانيها : انه لو خير العاقل الذي لم يسمع الشرائع ولا علم شيئا من الأحكام بل نشأ في بادية خاليا من العقائد كلها بين أن يصدق ويعطى دينارا ، وبين أن يكذب ويعطى دينارا ولا ضرر عليه فيها ، فإنه يختار الصدق على الكذب ، ولولا حكم العقل بقبح الكذب وحسن الصدق لما فرق بينهما ولما اختار الصدق دائما .
ثالثها : إنهما لو كانا شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرائع والأديان كالبراهمة ، والثاني باطل فالأول مثله ، فإن البراهمة بأسرهم يحكمون بالحسن والقبح لضرورة العقل في ذلك .
رابعها : إن الضرورة قاضية بقبح العبث كمن يستأجر أجيرا ليرمي ماء الدجلة في الفرات ونحوه ، وبقبح تكليف ما لا يطاق كتكليف الزمن الطيران إلى السماء ، والأعمى بتنقيط المصحف وتعذيبهما على ترك هذا الفعل ، وقبح من يذم العالم الزاهد على علمه