المعاصي السابقة عليه وما سوى ذلك فالإحباط والتكفير فيه ليس بواجب ولا كلي ، كما يقوله بعض مخالفينا على اختلاف مذاهبهم الفاسدة فيه من إسقاط اللاحق السابق مطلقا أو بقدره مع بقاء المقابل أو عدمه على ما حرر في كتب الكلام ، بل الصحيح الذي دلت عليه الآيات والروايات المتواترة هو أن من عمل طاعة استحق ثوابا ، وقد يكون ذلك الثواب إسقاط عقاب سابق أو لاحق ، وقد يكون نوعا آخر من الثواب ، ومن فعل معصية استحق عقابا ، وقد يكون ذلك العقاب إسقاط ثواب ، وقد يكون نوعا آخر ومقادير ذلك الثواب والعقاب الذي يسقط أحيانا لا يعلمها إلا اللّه . ومما يدل على ذلك ما وقع من الوعد على طاعة معينة بأنها كفارة لما مضى من الذنوب أو لنوع خاص منه أو لما تقدم منها وما تأخر ، وما ورد فيها بعينها باستحقاق فاعلها لثواب آخر غير إسقاط العقاب ، وكذا ورد الأمران في عقاب المعاصي . ومما يدل على ذلك وقوع الطاعات المذكورة من أهل العصمة عليهم السّلام ونحوهم ممن لا يستحق شيئا من العقاب ، ووقوع المعاصي المذكورة ممن لا يستحق شيئا من الثواب ، كالكافر والمسلم في أول إسلامه ، والطفل في أول بلوغه وغير ذلك . ولم يرد أن شيئا من المعاصي يسقط ثواب الإسلام والإيمان وهذا مما لا شبهة فيه عند من تأمل الآيات والروايات واللّه تعالى أعلم . انتهى .
ولا بأس بذكر الآيات الواردة في ذلك وجملة من الروايات قال تعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
« 1 » .
وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
« 2 » .
وقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
« 3 » .
وقال تعالى :
إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
« 4 » .
وقال تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ؛ الآية : 217 .
( 2 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 9 .
( 3 ) سورة التوبة ؛ الآية : 69 .
( 4 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 14 .
( 5 ) سورة النساء ؛ الآية : 31 .