فيها والعمدة في نفيه ضرورة الدين واجماع المسلمين . وظاهر أن هذا غير داخل فيما انعقد الاجماع والضرورة على نفيه ، كيف وقد قال به كثير من المسلمين كشيخنا المفيد وغيره من علمائنا المتكلمين والمحدثين ، بل لا يبعد القول بتعلق الأرواح بالأجساد المثالية عند النوم أيضا ، كما يشهد به ما يرى في المنام . وقد وقع في الأخبار تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد فيها كما مر ، بل يمكن أن يكون للنفوس القوية العالية أجساد مثالية كثيرة كأئمتنا حتى لا يحتاج إلى بعض التأويلات والتوجيهات كثيرا في حضورهم عند كل ميت ، وسائر ما يأتي في كتاب الإمامة في غرائب أحوالهم من عروجهم إلى السماوات كل ليلة جمعة وغير ذلك .
وقال الشيخ المفيد رحمه اللّه في أجوبة المسائل السروية حيث سئل ما قولكم أدام اللّه تأييدكم في عذاب القبر وكيفيته ومتى يكون وهل ترد الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا ، وهل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين .
فأجاب : الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل ، وقد ورد عن أئمة الهدى عليهم السّلام انهم قالوا ليس يعذّب في القبر كل ميت وإنما يعذّب من جملتهم من محض الكفر محضا ، ولا ينعم كل ماض لسبيله ، وإنما ينعم منهم من محض الإيمان محضا ، فأما ما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم . وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة ، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه ، واما عذاب الكافر في قبره ونعيم المؤمنين فيه ، فإن الخبر أيضا قد ورد بأن اللّه تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جنانه ينعمه فيها إلى يوم الساعة ، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب وتمزق ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف وأمر به إلى جنة الخلد فلا يزال منعما ببقاء اللّه عز وجل ، غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا بل تعدل طباعه وتحسن صورته فلا يهرم مع تعديل الطباع ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب ، والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا في محل عذاب يعاقب به ونار يعذب بها حتى الساعة ، ثم أنشأ جسده الذي فارقه في القبر ويعاد إليه ، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الأبد ، ويركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه . وقد قال اللّه عز وجل اسمه :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
« 1 » .
وقال في قصة الشهداء :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
هامش
( 1 ) سورة غافر ؛ الآية : 46 .