ونشأ عليه الصبيان فاجتمعت على ذلك جماعتهم ، وصارت في أيدي المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يستحلون الافتعال لمثلها ، فقبلوها وهم يرون انها حق ولو علموا بطلانها وتيقنوا انها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها ، ولم يدينوا بها ، ولم يبغضوا من خالفها ، فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلا ، والباطل حقا ، والكذب صدقا ، والصدق كذبا .
ولعمري إن أكثر الأمة ما اتبعوا رسولهم ولا من الصحابة خيارهم ، ولا استعملوا عقولهم ولا أفكارهم ولكن اللّه أصم آذان مقلدة الجمهور وأعمى أبصارهم ، ثم تركهم حيارى في ظلمات هلك فيها من هلك ونجى من نجى :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
« 1 » .
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
« 2 » .
ولما جرى في الصحابة ما جرى وخدع بهم عامة الورى ، وغلب على الامراء الأولون واستبهم الحق على الآخرين ، أعرض الناس عن الثقلين وتاهوا في بيداء ضلالتهم عن النجدين ، إلا شرذمة من المؤمنين فمكثوا بذلك سنين وعمهوا في غمرتهم حين . ثم تسافل الأمر إلى أن تقمصها علوج بني أمية الشرابون للخمور ، والمعلنون بالفجور ، والمستعلون بلبس الحرير ولعب الطنابير ، قاتلوا ذرية المصطفى وتدينوا بسب المرتضى ، ثم تلقفها بنو العباس السالكون مسالك أولئك الأرجاس ، أخذوها بسيف الخراساني كما ملك من قبلهم بصولة فظاظة الثاني ، وكان العلم في هذه المدة المتطاولة مكتوما ، وأهله مظلومين لا سبيل لهم إلى إبرازه إلا بتعميته والغازه .
ثم خلف من بعدهم خلف غير عارفين الولاية ، ولا ناصبين العداوة ، لم يدروا ما صنعوا وعمن أخذوا ، فعمدوا إلى طائفة ممادين من أهل الهواء وقوم مرائين من الجهلاء زعموا أنهم من العلماء ، فكانوا يفتونهم بالآراء ، وذلك لأن من جملة ما كان عندهم من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الحلال والحرام ، والفرائض والأحكام ، ليست إلا أربعة آلاف على ما قالوه ، ولم يكفهم ذلك فإذا نزلت حادثة ولم يكن لهم فيها رواية خاضوا في استنباط الحكم بالرأي عن أصول وضعوها ، وقواعد أسسوها ، استنادا إلى رواية كانت من اختلاق أئمتهم وافتراء رؤسائهم ، وكانوا وضعوها لترويج أهوائهم ، وبالجملة غمضوا
هامش
( 1 ) سورة النجم ؛ الآية : 23 .
( 2 ) سورة البقرة ؛ الآية : 257 .