تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وكان هذا من ابتلائه تعالى أولياءه المخلصين وخواص عباده المؤمنين ، لينظر كيف يعملون وعلى البلاء كيف يصبرون . والسبب في ارتداد أكثر هذه الأمة بعد نبيها أنه لما اختار اللّه تعالى للوصاية والخلافة والإمارة من اختار ، وأخذت له البيعة في الغدير ممن شهد من الأقطار ، غلب على أراذل العرب حب الرئاسة والهوى ، واشتعلت في قلوبهم نار الحسد والبغضاء ، فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون . فصاروا صنفين صنفا من أهل التدليس والتلبيس من جنود إبليس ، وصنفا من أهل العمى والتقليد قد شبه لهم الأمر فدخلوا فيه على غير بصيرة ، تعصبا لمن تولى وكفر وتقليدا لشياطين البشر ممن كان في الجاهلية ، لا يفرق بين اللّه وبين الخشب والحجر ، فكيف بين علي وبين أبي بكر وعمر ، وكان معهم تلك العقول السقيمة فلا غرو أن يعدلوا عن الطريقة القويمة ، وصنفا تبعوهم خوفا وتقية ، فارتد أكثر الناس بسبب ارتداد الصحابة عن الدين ، وخرجوا عن زمرة المسلمين ، كسنة اللّه في أمم سائر النبيين . وذلك أنه لما استتم الأمر لأبي بكر صعد المنبر وقام خطيبا ، فقام إليه جماعة من المهاجرين والأنصار فأنكروا عليه أشد الإنكار ، وذكروه حديث يوم الغدير ، فقال أيها الناس أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم « 1 » ، فقام إليه عمر وقال له واللّه ما أقلناك ولا يلي هذا الأمر أحد غيرك ، فكان في جملة من أنكر عليه مالك بن نويرة حين دخل المدينة ورآه على المنبر ، فتعجب من نبذهم حديث يوم الغدير مع تلك التأكيدات ، فخافوا أن يصيبهم من قبله فتق إذ كانت له قبيلة وكان من شجعان العرب يعد بمائة فارس ، فلما دخل إلى أهله بعث إليه خالد بن الوليد في جيش ليأخذ منه زكاة ماله ، فأخذ من خالد العهود والمواثيق على أن لا يتعرض له بمكروه فيعطيه الزكاة ، فلما جن عليه الليل ونام مالك وأصحابه ثبت عليهم خالد وأصحابه فقتلوهم غدرا ، ودخل بامرأته في ليلته ، وطبخ رأسه في وليمة عرسه ، وسبى حريمهم وسماهم أهل الردة افتراء وكذبا فلما رأى الناس أمثال ذلك منهم دخلوا تحت سلطتهم الجائرة كما كانت الناس يدخلون تحت سلطان الملوك الجبابرة ، وما بقي إلا شرذمة قليلون وكانوا خائفين متقين . روى الكشي بإسناد معتبر عن الباقر عليه السّلام أنه ارتد الناس إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد . قال الراوي فقلت فعمار ، قال كان حاص حيصة ثم رجع وفي رواية أخرى ثم
هامش
( 1 ) تقدم ص 231 باب المطاعن التي ذكرت في أبي بكر .
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 278 | السيد عبد الله شبر