والمنسوخ ، والسنة فيها ذلك أيضا مع وقوع الكذب والتحريف والتصحيف هذا كله مع جهل أكثر الخلق بمعانيها وتشتت أهوائهم وزيغ قلوبهم ، فلا بد حينئذ لكل نبي مرسل بكتاب من عند اللّه عز وجل أن ينصب وصيا يودعه أسرار نبوته وأسرار الكتاب المنزل عليه ويكشف له مبهمه ليكون ذلك الوصي هو حجة ذلك النبي على أمته ، ولئلا تتصرف الأمة في ذلك الكتاب بآرائها وعقولها فتختلف وتزيغ قلوبها كما أخبر اللّه تعالى بذلك فقال :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
« 1 » .
الثاني : إن اللطف واجب على اللّه تعالى ، ولا ريب ان وجود الإمام في كل زمان لطف من اللّه تعالى بعبيده لأنه بوجوده فيهم يجتمع شملهم ويتصل حبلهم وينتصف الضعيف من القوي والفقير من الغني ، ويرتدع الجاهل ويتيقظ الغافل ، فإذا عدم بطل الشرع وأكثر أحكام الدين وأركان الإسلام كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء ونحو ذلك فتنتفي الفائدة المقصودة منها .
الثالث : إنه قد دل العقل والنقل على أنه يجب على اللّه أن يفعل بعباده ما هو الأصلح لهم ، ولا ريب أنه لا يتم انتظام أمر المعاد والمعاش والدين والدنيا إلا بنصب رئيس ومعلم يرشد الناس إلى الحق عند اختلافهم وجهلهم ، ويردهم إليه عند اختصامهم ومنازعاتهم ومجادلاتهم .
الرابع : إن العقل السليم والفهم المستقيم يحيل على العزيز الحكيم والرسول الكريم مع كونه مبعوثا إلى كافة الأنام وشريعته باقية إلى يوم القيامة أن يهمل أمته مع نهاية رأفته وغاية شفقته بهم وعليهم ، ويترك بينهم كتابا في غاية الإجمال ونهاية الإشكال له وجوه عديدة ومحامل يحمله كل منهم على هواه ورأيه كما أشرنا إليه ، وأحاديث كذلك لم يظهر لهم منها إلا القليل وفيها مع ذاك المكذوب والمفترى والمحرّف ، ولا يعيّن لهذا الأمر العظيم رئيسا يعول في المشكلات عليه ويركن في سائر الأمور إليه إن هذا مما يحيله العقل على رب العالمين وعلى سيد المرسلين ، وكيف يوجب اللّه تعالى على الإنسان الوصية والإيصاء عند الموت لئلا يموت ميتة الجاهلية ولئلا يدع أطفاله ومتروكاته بغير قيّم وولي وحافظ ولا يوجب على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الايصاء والوصية مع أن رأفة اللّه بخلقه ورأفة
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 7 .