تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
بل شغلهم ذلك عن السلوك للطريق بل أفضى بهم إلى الهلاك وانقطع النسل واختل النظام لما جبل عليه كل أحد من أنه يشتهي لما يحتاج إليه ويغضب على ما يزاحمه فيه ، وذلك القانون هو الشرع ، ولا بد من شارع يعيّن لهم ذلك القانون والمنهج لتنتظم به معيشتهم في الدنيا ، ويسن لهم طريقا يصلون به إلى اللّه عز وجل بأن يفرض عليهم ما يذكرهم أمر الآخرة والرحيل إلى ربهم ، وينذرهم يوما ينادون فيه من مكان قريب وتنشق الأرض عنهم سراعا ، ويهديهم إلى صراط مستقيم لأن لا ينسوا ذكر ربهم ويذهلوا بدنياهم عن عقباهم التي هي الغاية القصوى والمقصد الأسنى . الرابع : قال أيضا إنه لما كان الإنسان في أول أمره وبدء نشوه خاليا عن كماله الذي خلق له ، قاصرا عن الغاية التي ندب إليها كما قال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
« 1 » قابلا أتاه بفطرته التي فطر عليها يمكن الوصول إليه بما أوتي من أسبابه وهيأ له من شرائطه كما قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
« 2 » . وقال تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
« 3 » . لكنه ممنوع بمقتضيات نشأته التي جبل عليها ، لو خلي وشأنه لنشأ كله على ما يقتضيه مزاجه وطبيعته بحسب الغالب من قواه وموجب طينته وهواه كما قال تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 4 » . إذ كل مزاج يناسب قوة دون أخرى ، ويسهل له فعل بعضها مما يلائم حالها دون بعض على ما عبر عنه في القرآن مرة بقوله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
« 5 » . وأخرى :
وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً
« 6 »
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 7 » . فمن الواجب أن يكون له سياسة تسوسه وتربيه لصلاحية الكمال وتدبيره ، وتجريه في طريق الخير والسعادة وإلا لبقي في مرتبة البهائم وحيل بينه وبين النعيم الدائم . الخامس : إنه كما لا بد في العناية الإلهية لنظام العالم من المطر ، ورحمة اللّه لم تقصر عن إرسال السماء مدرارا لحاجة الخلق ، فنظام العالم لا يستغني عمن يعرفهم
هامش
( 1 ) سورة النحل ؛ الآية : 78 . ( 2 ) سورة السجدة ؛ الآية : 9 . ( 3 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 103 . ( 4 ) سورة الإسراء ؛ الآية : 84 . ( 5 ) سورة الأنبياء ؛ الآية : 37 . ( 6 ) سورة المعارج ؛ الآية : 19 . ( 7 ) سورة الأحزاب ؛ الآية : 72 .