بل شغلهم ذلك عن السلوك للطريق بل أفضى بهم إلى الهلاك وانقطع النسل واختل النظام لما جبل عليه كل أحد من أنه يشتهي لما يحتاج إليه ويغضب على ما يزاحمه فيه ، وذلك القانون هو الشرع ، ولا بد من شارع يعيّن لهم ذلك القانون والمنهج لتنتظم به معيشتهم في الدنيا ، ويسن لهم طريقا يصلون به إلى اللّه عز وجل بأن يفرض عليهم ما يذكرهم أمر الآخرة والرحيل إلى ربهم ، وينذرهم يوما ينادون فيه من مكان قريب وتنشق الأرض عنهم سراعا ، ويهديهم إلى صراط مستقيم لأن لا ينسوا ذكر ربهم ويذهلوا بدنياهم عن عقباهم التي هي الغاية القصوى والمقصد الأسنى .
الرابع : قال أيضا إنه لما كان الإنسان في أول أمره وبدء نشوه خاليا عن كماله الذي خلق له ، قاصرا عن الغاية التي ندب إليها كما قال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
« 1 » قابلا أتاه بفطرته التي فطر عليها يمكن الوصول إليه بما أوتي من أسبابه وهيأ له من شرائطه كما قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
« 2 » . وقال تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
« 3 » . لكنه ممنوع بمقتضيات نشأته التي جبل عليها ، لو خلي وشأنه لنشأ كله على ما يقتضيه مزاجه وطبيعته بحسب الغالب من قواه وموجب طينته وهواه كما قال تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 4 » . إذ كل مزاج يناسب قوة دون أخرى ، ويسهل له فعل بعضها مما يلائم حالها دون بعض على ما عبر عنه في القرآن مرة بقوله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
« 5 » . وأخرى :
وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً
« 6 »
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 7 » . فمن الواجب أن يكون له سياسة تسوسه وتربيه لصلاحية الكمال وتدبيره ، وتجريه في طريق الخير والسعادة وإلا لبقي في مرتبة البهائم وحيل بينه وبين النعيم الدائم .
الخامس : إنه كما لا بد في العناية الإلهية لنظام العالم من المطر ، ورحمة اللّه لم تقصر عن إرسال السماء مدرارا لحاجة الخلق ، فنظام العالم لا يستغني عمن يعرفهم
هامش
( 1 ) سورة النحل ؛ الآية : 78 .
( 2 ) سورة السجدة ؛ الآية : 9 .
( 3 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 103 .
( 4 ) سورة الإسراء ؛ الآية : 84 .
( 5 ) سورة الأنبياء ؛ الآية : 37 .
( 6 ) سورة المعارج ؛ الآية : 19 .
( 7 ) سورة الأحزاب ؛ الآية : 72 .