موجب صلاح الدنيا والآخرة ، نعم من لم يهمل إنبات الشعر على الحاجبين المزينة ، وكذا تقعير الأخمص في القدمين ، كيف أهمل وجود رحمة للعالمين مع أن ما في ذلك من النفع العاجل والسلامة في العقبى والخير الآجل ، ولم يترك الجوارح والحواس حتى جعل لها رئيسا يصحح لها الصحيح ويتقن به ما شكت فيه وهو الروح ، كيف يترك الخلائق كلهم في حيرتهم وشكهم وضلالتهم لا يقيم لهم هاديا يردون إليه شكهم وحيرتهم كما تقدم ، ويجب أن يكون ذلك الواسطة إنسانا لأن مباشرة الملك لتعليم الإنسان على هذا الوجه مستحيل كما قال اللّه عز وجل :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
« 1 » .
ودرجة باقي الحيوانات أنزل ، ولأن خوارق العادات لا تحال عليهم والنفوس لا تركن إلا إلى أبناء نوعهم ولنهاية المباينة بين الإنسان الناسوتي والملك الملكوتي ولا يمكن الاستغناء عن الأنبياء بتوجيه الخطاب من اللّه تعالى بخلق الأصوات وإيجاد الكلمات لقيام الوجوه والاحتمالات وضعف عقول سائر الناس واحتمالهم أن يكون صدور ذلك من بعض الجان أو الشيطان ، ولا بد من تخصيصه بآيات من اللّه سبحانه دالة على أن شريعته من عند ربهم العالم القادر الغافر المنتقم ليخضعوا له ، ويلزم من وقف عليها أن يقر بتقدمه ورئاسته وهي المعجزات البينات والبراهين الواضحات .
3 - لا خيرة للخلق في اختيار الإمام :
حيث ثبت وجوب عصمة الواسطة نبيا كان أو إماما ، فلا خيرة للخلق حينئذ في اختياره بلا خلاف في النبي ، وخالف العامة في ذلك بالنسبة إلى الإمام والفرق بينهما تحكم ، لأن العصمة من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب ، فيمكن أن يكون ما رأوه صالحا طالحا لأنهم لا يعلمون واللّه يعلم المفسد من المصلح ، فقد رأينا مثل موسى نبي اللّه من أولي العزم قد اختار من قومه سبعين فأوحى اللّه إليه أنهم فاسقون كما نطق بذلك القرآن المجيد ، فكيف لسائر الناس بمعرفة الصالح من الطالح ولقوله تعالى :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
« 2 » . فقد ذكر المفسرون من العامة أن هذه الآية نزلت في الرد على من قال لم لم يرسل غير هذا الرسول . وحينئذ فهي دالة على أن صاحب الاختيار لا سيما في أمور الدين هو اللّه الواحد القهار ، ولاختلاف آراء الناس في الاختيار فينجر إلى الفساد والاختلاف كما وقع في السقيفة حيث قالوا منا أمير ومنكم
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ؛ الآية : 9 .
( 2 ) سورة القصص ؛ الآية : 68 .