قلنا : هذا انّما يتمّ إذا ثبت أنّ البقاء ذاتي للسرمدية وجزء له ، وهو في محلّ المنع . وأيضا إذا كانت السرمدية عينا للواجب وجب أن لا تكون مركّبة ، بل وجب أن تكون حقيقتها حقيقة بسيطة بحيث لا يكون تكثّرا فيها أصلا ، فلا يمكن أن يكون البقاء جزء وذاتيا له - لاستلزامه التركيب - .
وبما ذكرناه يظهر أنّ المناط في استلزام عينية كلّ من البقاء والسرمدية لعينية الآخر هو جريان الدلائل المذكورة فيهما معا .
ثمّ إنّه بعد دلالة الأدلّة المذكورة على عدم زيادة السرمدية والبقاء يثبت عينيتهما بالمعنى المذكور - أي : يكون الذات الّذي هو صرف الوجود بذاته منشئا لانتزاع مفهوميهما - . وحقيقتهما هي عين الذات في الخارج والذهن وإن كان مفهوماهما الاعتباري الانتزاعي زائدا على الذات الّذي هو عين حقيقتهما .
وقال بعض المشاهير : إن أريد بتلك الزيادة المنفية الزيادة على الذات مطلقا - أي : في كلّ من طرفي الذهن والخارج - اتّجه عليه أنّ الدلائل المذكورة لا يدلّ عليه ، بل انّما يدلّ على عدم زيادته في الخارج ، فالمتّجه أنّ المراد بعدم الزيادة هو عدم الزيادة في الخارج ؛ انتهى .
وقد عرفت بما ذكرناه ما فيه من التسامح والاختلال ! . ونزيدك بيانا بما ذكره بعض الأفاضل رادّا عليه حيث قال : وفيه إنّ ما ذهب إليه الأكثرون هو أنّ البقاء عين الذات - كالوجود والعلم والقدرة - ، ومعنى عينية الصفات في الواجب - تعالى - على ما ذكر هو أنّ اللّه - سبحانه - باعتبار ذاته مصداق حمل موجود وعالم وباق وغيرها ، بل مصداق حمل وجود وعلم وبقاء - بناء على أنّه تعالى نفس الوجود والعلم والبقاء - وليس المراد أنّه - تعالى - نفس مفهوم العلم والعالم والوجود والموجود ، لأنّ جميع المفهومات عرضية بالقياس إليه - سبحانه - ، بل إنّ ما يعبّر عنه بالوجود أو العلم وغيرهما من الصفات هو ذات الواجب - سبحانه - . وكذا الحال في الانسان بالقياس إلى زيد مثلا ، لأنّ الانسان الّذي يكون ذاتيا لزيد ليس هو مفهوم الانسان ، بل الذاتي له انّما هو المعبّر عنه بمفهوم الانسان وهو النوع الطبيعي الموجود في الخارج بوجود
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 514
مساهمون: ملا محمد مهدي النراقي
ص٥١٤