النادي والبطحاء رأيت سحابا من قبل البحر مستقبلا ، يرتفع تارة وينخفض أخرى .
فنادى عبد المطّلب : يا معشر قريش ادخلوا بيوتكم ، فقد أتاكم اللّه بالنصر من عنده ، فأقبلت طيرا أبابيل وفي منقار كلّ طير منهم حجر ، وفي رجليه حجر ، فكان الطير الواحد يقتل به من أصحاب الفيل ثلاثة رجال ، يلقي الحجر من منقاره ورجليه على رأس الرجل فيخرج من دبره ، فيبقى كالعصف المأكول ، كما قصّه اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
.
السجّيل : الصلب من الحجارة . والعصف : ورق الزرع . ومأكول يعني : أخذ ما فيه وبقي فارغا ، وكذلك بقيت أجوافهم فارغة حتّى بقي الجسم منهم كقشر الحنظل لا شيء فيه « 1 » .
وهذا من أدلّ الدلائل على إيمان عبد المطّلب ، وإخلاصه في دعائه ، ومنزلته عند اللّه في إجابته ، ونصرة السريع والفتح العظيم .
وفيه أيضا دلالة عظيمة على معرفة اللّه تعالى بقطع دابر الملحدين ، والتدمّر عليهم تأويلاتهم الماجلة الكاذبة ، إذ ليس من الجائز ولا المتّفق في العقول أنّ طائرا كثيرا يأتي من جهة نفسه إلى مائة ألف أو يزيدون ومعهم ثلاثة أحجار يقتل كلّ واحد منها رجلا دون غيرهم من خيولهم وجمالهم وأنعامهم ، وهذا أمر عظيم صدر عن أمر اللّه وقدرته القاهرة وآياته الباهرة قتل به الكافرين وردّ كيدهم في نحورهم ، وانتصر لنبيّه الشريف ولجدّ نبيّه وحبيبه محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فاعتبروا يا ذوي الألباب .
ومن الكتاب عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس ، قال : لمّا ظفر سيف بن ذي يزن ،
هامش
( 1 ) كنز الفوائد 1 : 184 - 187 ط بيروت ، وص 81 - 82 الطبع الحجري .