كونهم كثيرين ، وهذه الحجة تعرف بالتّمانع . وإنّما أخّرنا ذكر هذه الصفة عن ذكر ساير الصفات ، لكون حجة الوحدة مبنيّة على إثبات الصّفات الالهيّة .
وأمّا الحكماء فقالوا : إنّ الواجب لذاته يمتنع أن يكون أكثر من واحد ؛ لأنّ الاتّصاف بهذا المعنى ليس بمختلف ، ولو كان المتّصف به أكثر من واحد ، وجب أن يكون امتياز كلّ واحد منهم عن غيره بغير هذا المعنى المشترك فيه ؛ والمجتمع من هذا المعنى وغيره لا يكون واجبا لذاته مطلقا ، فيلزم من ذلك أن يكون كلّ واحد من المتّصفين به غير متّصف به ، وذلك محال . وهذه الحجّة غير محتاجة إلى اعتبار شيء خارج عن مفهوم الواجب لذاته .
والصفات ليست زائدة على ذات الواجب لذاته ، بهذه الحجّة بعينها ، بل حقيقته هو الوجود وحده ، لا الوجود المشترك بينه وبين غيره ؛ وقدرته وعلمه وارادته ليس غير اعتبار ذلك الوجود بالنسبة إلى مقدوراته ومعلوماته ومراداته ، وقدرته عين صدور الكلّ عنه ، وعلمه حصول الكلّ له ، وإرادته عنايته بالكلّ فقط ، من غير أن يتوهّم تكثّر في ذاته تعالى أصلا .
وبعض مشايخ المعتزلة يقيمون الحجّة بعد إثبات هذه الصفات على أنّه تعالى موجود ، وذلك لأنّ المعدومات عندهم ثابتة ، ولا يستحيل اتّصاف ذواتها بصفات لا يعتبر فيها الوجود .
وأبو هاشم من المعتزلة يقول بصفة زائدة على هذه الصفات بها يمتاز الصانع عمّا يشاركه في مفهوم الذات ، وهذه الصفة يسمّيها الصفة الالهيّة . ويقول هو وأصحابه : إنّ هذه الصفات جميعا أحوال لا موجودة ولا معدومة ، بل وسائط بين الوجود والعدم . أمّا الإرادة فانّها موجودة ومحدثة ، وهي عرض لا في محل ، يحدثها اللّه تعالى ، وبحدوثها يحدث الموجودات . ومتأخروهم كأبي الحسين البصرىّ ومن تبعه يقولون : إنّ صفاته تعالى ليست بزائدة على ذاته ، فهو قادر بالذات ، عالم بالذات ؛ حىّ بالذات ؛ وباقي الصفات راجعة إليها ، فإنّ الادراك هو
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 448
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٤٤٨