والأوّل لا يصحّ أن يكون مقصودا للحكيم ، والثاني باطل أيضا ، فانّه يكفى فيه البقاء على العدم ، فبقى الثالث . لكن ما نتخيله لذّة في هذا العالم فهو في الحقيقة ليس بلذّة ، بل كلّ ذلك خلاص عن الألم وانتقال من ألم إلى ألم آخر . وإنّما اللذّة بالحقيقة هي اللذّة الروحانيّة ، فإذا كان كذلك كان ردّ النفس إلى البدن عبثا .
والجواب : أنّه ثبت بالتواتر أنّه عليه السّلام كان يثبت المعاد البدنىّ ، وذلك لا يقبل التأويل . أمّا المعارضة الأولى فالجواب عنها ما تقدّم . وعن الثانية أنّ الخلأ جائز . وعن الثالثة أنّ الجزء الأصليّ لأحدهما [ فاضل للآخر ، فردّه ] بردّه إلى الأوّل أولى . وعن الرابعة ما تقدّم في باب الأعراض من إثبات اللذّة الحسيّة .
أقول : القول بأنّ العالم أبدىّ ، لا يناقض القول بحشر الأجساد ، لأنّ العالم ما سوى اللّه تعالى ، وليس عدم ما سوى اللّه شرطا في القول بالحشر .
قوله « الجنة والنار يكونان في هذا العالم أو في عالم آخر » ، يقال له : ليس أحد واقفا على جميع أجزاء هذا العالم ، حتى إذا لم يجد فيه النّار والجنّة حكم أنه في موضع آخر . والحقّ أنّا لا نعلم مكانهما ، ويمكن أن يستدلّ على موضع الجنّة بقوله تعالى
« عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى »
يعنى عند سدرة المنتهى .
وأمّا المقصود من البعثة . فعند أهل السنّة ليس أفعال اللّه تعالى لغرض . وعند المعتزلة البعثة واجبة على اللّه تعالى ليجزى المكلّفين . وليس التعليل بالألم واللذّة صحيحا عند أحد .
قال :
تنبيه المعاد بمعنى جمع الأجزاء لا يتم إلا مع القول بإعادة المعدوم
المعاد بمعنى جمع الأجزاء لا يتمّ إلّا مع القول بإعادة المعدوم ، لما مرّ ، من أنّ هويّة الشخص ليست مجرّدة الجسم ، بل لا بدّ فيها من الأعراض ، وهي قد عدمت عند التفريق ، فلو لم يكن إعادة المعدوم لامتنعت إعادته من حيث إنّه هو .
أقول : عندهم هويّة الشخص ليست إلّا الأجزاء التي لا تنعدم ولا تصير أجزاء