بأعيان اجزاء كلّ شخص لكونه عالما بالجزئيات وقادرا على جمعها ، وخلق الحياة فيها لكونه قادرا على كلّ الممكنات . وإذا كان كذلك كانت الإعادة ممكنة .
وإنّما قلنا إنّ الصادق اخبر عنه ، لأنّ الأنبياء عليهم السّلام أجمعوا على القول به ، وإذا ثبت المقدّمتان ظهر المطلوب .
فان قيل : أمّا الكلام على الامكان فمبنىّ على أصول تقدّم القول فيها فلا نعيدها . سلمناه ، لكن لا نسلّم أنّ الصادق أخبر عنه . قوله « الأنبياء أجمعوا عليه » .
قلنا : لا نسلّم ، فانّ سائر الأنبياء لم يفتوا إلّا بالمعاد الروحاني . فأمّا محمّد صلّى اللّه عليه وآله فقد جاء في شرعه ما يدلّ على المعاد الجسمانيّ ، ولكنّك قد علمت أنّ دلالة الألفاظ ليست قطعية بل ظنّية . وأيضا فكما جاء بالمعاد البدني فقد جاء القول بالتشبيه في القرآن والتّوراة . وإذا جاز المصير إلى تأويل الجسمانيّ بالروحانىّ في باب التشبيه فلم لا يجوز مثله في هذا الباب ؟
أقول : قد أجمع المسلمون على المعاد البدنىّ بعد اختلافهم في معني المعاد ، فقال القائلون بامكان إعادة المعدوم : إنّ اللّه تعالى يعدم المكلفين ، ثمّ يعيدهم . وقال القائلون بامتناعه : إنّ اللّه تعالى يفرّق أجزاء أبدانهم الأصليّة ، ثمّ يؤلّف بينها ويخلق فيها الحياة .
وأمّا الأنبياء المتقدّمون على محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فالظاهر من كلام أممهم أنّ موسى عليه السّلام لم يذكر المعاد البدني . ولا أنزل عليه في التوراة ، لكن جاء ذلك في كتب الأنبياء الذين جاءوا بعده ، كحزقيل وشيعا عليهم السّلام . ولذلك أقرّ اليهود به . وأمّا في الإنجيل فقد ذكر : أنّ الأخيار يصيرون كالملائكة وتكون لهم الحياة الأبديّة والسعادة العظيمة . والأظهر أنّ المذكور فيه المعاد الرّوحانيّ .
وأمّا القرآن فقد جاء فيه كلاهما ، أمّا الروحاني ففي مثل قوله عز من قائل :
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ »
و
« لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ »
« وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ »
. وأمّا الجسماني فقد جاء أكثر من أن يعدّ ، وأكثره