- إلى قوله -
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ »
.
الوجه العاشر : الآيات التي ذكر اللّه تعالى ما يوجد منهم في الآخرة من التحسّر على الكفر والمعصية وطلب الرجعة . كقوله تعالى :
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ .
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها
، الآية ، وقوله تعالى :
« قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً »
،
« وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ »
،
« أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »
. فهذه جملة استدلالاتهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ولا يقال : الكلام عليه من وجهين : الأوّل أنّ هذه الآيات معارضة بالآيات الدالة على أنّ جميع الأفعال بقضاء اللّه وقدره كقوله تعالى :
« اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ .
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ .
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً .
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ .
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ »
. وهو يريد الايمان ، فيكون فاعلا للايمان . وإذا كان فاعلا للايمان كان فاعلا للكفر ، لأنّه لا قائل بالفرق .
والثاني هو أنّا وإن نفينا كون العبد موجدا لأفعال نفسه لكنّا نعترف بكونه فاعلا لها ومكتسبا لها . ثمّ في الكسب قولان : أحدهما أنّ اللّه تعالى أجرى عادته بأنّ العبد إذا صمم العزم على الطاعة فانّه تعالى يخلقها ؛ ومتى صمم العزم [ على المعصية ] فانّه يخلقها . وعلى هذا التقدير يكون العبد كالموجد ، وإن لم يكن موجدا فلم لا يكفى هذا القدر في الأمر والنهي . وثانيهما أنّ ذات الفعل وإن حصلت بقدرة اللّه تعالى ولكن كونها طاعة ومعصية صفات تحصل لها وهي واقعة بقدرة العبد ، فلم لا يكفى هذا في صحّة الأمر والنهي ؟
لأنا نجيب : عن الأوّل بجواب اجماليّ ذكره أبو الهذيل ، وهو أنّ اللّه تعالى أنزل القرآن ليكون حجّة على الكافرين ، لا ليكون حجّة لهم ، ولو كان المراد من هذه الآيات ما ذكرته من وقوع أفعال العباد بقضاء اللّه تعالى لقالت العرب للنبيّ عليه السّلام : كيف تأمرنا بالايمان وقد طبع اللّه على قلوبنا ، وكيف تنهانا عن الكفر