وقد خلقه اللّه تعالى فينا ، وكان ذلك من أقوى القوادح في نموّته . فلمّا لم يكن كذلك علمنا أنّ المراد منها غير ما ذكرت . وأمّا الكلام التفصيليّ على كلّ واحد من الآيات ففي المعلولات .
وعن الثاني : أنّ العبد إمّا أن يكون مستندا بادخال شيء في الوجود . وإمّا أن لا يكون . فهذا نفي وإثبات ، ولا واسطة بينهما . فإن كان الأوّل فقد سلّمتم قول المعتزلة . وإن كان الثاني كان العبد مضطرّا ، لأنّ اللّه تعالى إذا خلقه في العبد حصل لا محالة . وإذا لم يخلقه فيه فقد استحال حصوله فيه فكان العبد مضطرّا ، فتعود الاشكالات . وعند هذا التحقيق يظهر أنّ الكسب اسم بلا مسمّى .
قوله : « العبد إذا اختار الطاعة حصلت ، وإذا اختار المعصية حصلت » ، قلنا :
حصول ذلك الاختيار به أو لا به ؟ الأوّل قول الخصم والثاني لا يدفع الالزام . قوله :
« كونه طاعة ومعصية صفات تحصل لذات الفعل بقدرة العبد [ وذات الفعل تحصل بقدرة اللّه تعالى ] » قلنا : هذا اعتراف بكون القدرة الحادثة مؤثرة ، وهو تسليم قول الخصم .
والجواب : أنّ هذه الاشكالات واردة على المعتزلة ، لأنّ ما علم اللّه تعالى أنّه يوجد كان واجب الوقوع ، وما علم اللّه تعالى أنّه لا يوجد كان ممتنع الوقوع ؛ لأنّه إن لم يوجد رجحان الداعي امتنع الفعل ، وإن وجد وجب . فكان الاشكال واردا عليهم في هذين المقامين . ولقد كان واحد من أذكياء المعتزلة يقول : هذان السؤالان هما العدوّان للاعتزال ، ولولا هما لتمّ الدست لنا .
أقول :
لا جبر ولا تفويض ولكن امر بين امرين
الآيات التي أوردها من الجانبين يمتنع أن تتعارض ، وإنّما يتخيّل لنا تعارضها لعدم وقوفنا على فحاويها ، ولو توقّفنا في تأويلاتها عملا بقوله تعالى :
« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ »
على رأي الوافقين عليه ، لكنّا أبعد من الوقوع في الخطأ .
وأمّا جواب المعتزلة عن قوله « ما علم اللّه وجوده فهو واجب » ، بوجوب الفعل