وليس لأحد أن يقول : هذا تكليف لما لا يطاق وحوالة على غيب ، لأن هذا الوالي ليس يعرف ما قصّر فيه بعينه من النظر والاستدلال فيستدركه ، حتى يتمهد في نفسه ويتقدر . ونراكم تلزمونه ما لم يلتزمه ( وذلك ) : ان أول ما يلزم في التكليف قد يتميّز تارة ، ويشتبه أخرى بغيره . وإذا كان التمكن من الأمرين حاصلا ، فالولي - على هذا - إذا حاسب نفسه ورأى أن الامام لا يظهر له ، وأفسد أن يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها ، علم أنه لا بدّ من سبب يرجع إليه . وإذا رأى أن أقوى الأسباب ما ذكرناه ، علم أن التقصير واقع من جهته في صفات المعجز وشروطه ، فعليه حينئذ معاودة النظر في ذلك ، وتخليصه من الشوائب وما يوجب الالتباس ، فإنه متى اجتهد في ذلك حق الاجتهاد ووفّى النظر شروطه ، فلا بدّ من وقوع العلم بالفرق بين الحق والباطل .
وهذه المواضع ، الانسان فيها على نفسه بصيرة ، وليس يمكن أن يؤمر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث والفحص والاستسلام للحق . وقد قلنا : إن هذا نظير ما يقوله من يخالفنا في توليد النظر العلم بأن يقول : أنا نظرت كما نظرتم واستوفيت شرائطه ولم يحصل العلم ، فانا نقول له : لا نصدّقك في ذلك لأنك لو كنت استوفيت جميع شرائط النظر لحصل لك العلم ، ومتى لم يحصل لك العلم ، علمنا أنك أخللت بشيء من شرائطه ، وان لم يمكننا الإشارة إلى ما أخللت به بعينه فكذلك القول هاهنا ، فاعرف « 1 » .
فان قيل : لو كان الأمر على ما قلتم ، لوجب أن لا يعلم شيئا من المعجزات في الحال ، وهذا يؤدي إلى أن لا يعلم النبوة وصدق الرسول ، وذلك يخرجه عن الاسلام ، فضلا عن الايمان .
هامش
( 1 ) هذا الكلام بنصه مدرج في الجزء الأول من هذا الكتاب . ص 99 - 102